متابعة ـ التآخي
تسببت موجة الحر المستمرة في عواقب خطيرة على مصادر المياه الطبيعية في ألمانيا. فقد جف أحد منابع النهر الواقع عند فايسن شتاين في منطقة أيفل بسبب استمرار درجات الحرارة المرتفعة. وتظهر ذلك بيانات القياس الصادرة عن موقع “دونرفيته” الألماني المتخصص في قضايا الطقس والمناخ، الذي يدير محطة أرصاد جوية بالقرب من النبع في منطقة أيفل. وعادة ما يمد هذا المنبع عدة أنهاركبيرة بالمياه. وعبر نهري كيل والموزيل، تصل مياه منبع فايسن شتاين عادة إلى نهر الراين، إلا أن المنبع قد جف الآن للعام الثاني على التوالي.
وفي الأيام الماضية، كان يضخ بالفعل كميات أقل بكثير من المعتاد. ففي الظروف الطبيعية، تستغرق مياه المنبع نحو أسبوع حتى تصل إلى نهر الراين، لكن بسبب انخفاض سرعة جريان المياه، أصبحت تستغرق وقتا أطول. ويقولخبير الأرصاد الجوية كارستن براندت من موقع “دونرفيته” “أعد هذا الأمر مقلقا للغاية، فهو يشير إلى حدوث تغير سريع وكبير في ميزاننا المائي“. وكانت بيانات الطقس قد أشارت بالفعل في أوائل شهر تموز إلى أن نبع فايسن شتاين سيتوقف قريبا عن تزويد المنطقة بالمياه.
ان انخفاض منسوب المياه في نهر الراين يهدد بشكل غير مسبوق لحركة الملاحة النهرية في ألمانيا، وبرغم أن هذا الانخفاض ليس جديدا، إلا أن الأمر مختلف هذه المرة لأن المياه أصبحت شحيحة في وقت مبكر نسبيا من العام. وبرغم أن السفن ما تزال تواصل الإبحار، فإنها تحمل كميات أقل بكثير من البضائع، وإذا لم يشهد شهر آب هطول كميات كبيرة من الأمطار، فقد تكون الآثار هذا العام أكثر خطورة مما كانت عليه في عام 2018، الذي يعد حتى الآن، العام القياسي من حيث انخفاض منسوب المياه. وبهذا الصدد يوضح لوكاس كيل من شركة “راين كارغو” لموقع “زي.دي.إف” التابع للقناة الألمانية الثانية “سفينة شحن يمكنها في الظروف الطبيعية، عند منسوب مياه عادي، أن تحمل 3.000 طن من البضائع، لكنها في الوقت الحالي لا تحمل سوى نحو 800 أو 900 طن فقط”.
ويعتمد الاقتصاد الألماني بشكل كبير على النقل النهري، إذ يجري نقل كل ما يمكن تصوره تقريبا عن طريق السفن، سواء للتوريد أو الشحن إلى الخارج. ومن بين هذه البضائع: الحصى، والرمل، والخردة، والمعادن، والأسمدة، ومنتجات الزيوت المعدنية، وكذلك الحاويات. ومع انخفاض كمية البضائع المنقولة مع بقاء التكاليف ثابتة كما هي، فإن أسعار البضائع ترتفع بشكل متزايد. فضلا عن ذلك، هناك حاجة إلى مزيد من السفن لضمان استمرار الإمدادات. لذلك يتوقع الخبراء أن ترتفع الأسعار بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف. ومن المرجح أن يشعر عملاء شركات النقل بهذا الارتفاع، وفي نهاية المطاف سيتأثر المستهلكون أيضا.
ويعاني نهر الراين من فترات جفاف متتالية، فعلى سبيل المثال، اتسم صيف عام 2022 بارتفاع شديد في درجات الحرارة وانخفاض قياسي في منسوب المياه، مما أثر بشكل كبير على حركة الملاحة النهرية. و عام 2018، دخل التاريخ، إذ انخفض منسوب مياه نهر الراين آنذاك إلى 25 سنتيمترا فقط. ويأتي الجفاف الحالي ضمن سلسلة هذه الظواهر المناخية المتطرفة. ولجعل حركة الملاحة أكثر قابلية للتخطيط، بدأت إدارة الممرات المائية والطرق البحرية الألمانية منذ عام 2018 بنشر بيانات جديدة للتنبؤات.
وبالموازاة مع ذلك، ترتفع درجات الحرارة في نهر الراين بشكل ملحوظ. ففي مدينة ريكينغن السويسرية، الواقعة مقابل مدينة هوهنتنغن الألمانية في مقاطعة فالدسهوت، ارتفعت قياسات درجات حرارة المياه في أسبوع واحد من 23 إلى 26.4 درجة مئوية. ومنذ عام 1970 تُسجّل هناك درجات حرارة المياه، وقد بلغ متوسطها حتى الآن في شهر حزيران 16.8 درجة. وتظهر صورة مشابهة في مناطق أخرى من نهر الراين باتجاه مجراه السفلي.