كوردستان بين الصراعات السياسية وتآكل الوحدة الوطنية..

احمد كوران

لم يكن إقليم كوردستان نتاج ظرف سياسي عابر أو ثمرة تسوية مؤقتة فرضتها موازين القوى بل جاء نتيجة عقود من النضال والتضحيات والدماء التي صنعت تجربة سياسية متميزة في محيط إقليمي مضطرب. غير أن الخطر الذي يواجه الإقليم اليوم لا يتمثل في الضغوط الخارجية وحدها بل في التصدع الداخلي الذي أخذ يتسلل إلى بنية المشروع الوطني نفسه. فحين تتقدم الحسابات الحزبية على المصلحة العامة ويتحول الولاء السياسي إلى بديل عن الولاء الوطني يصبح الانقسام الداخلي أكثر قدرة على تقويض الإنجازات من أي تهديد خارجي.

الخلاف السياسي في الأنظمة الديمقراطية ظاهرة طبيعية بل قد يكون مؤشراً على حيوية الحياة العامة إلا أن ما تشهده كوردستان تجاوز حدود التنافس المشروع إلى حالة من الاستقطاب انعكست بصورة مباشرة على المؤسسات والاستقرار السياسي. فقد أدى تعطيل البرلمان وإضعاف المؤسسات الدستورية وتسخير الإعلام الحزبي لتأجيج الانقسام فضلاً عن توظيف ملفات الرواتب والخدمات والنفط في إطار التجاذبات السياسية إلى تحويل المواطن من شريك في المشروع الوطني إلى رهينة للصراع بين القوى السياسية. ومع استمرار هذا النهج لم تتراجع الثقة بالأحزاب فحسب بل بدأت الثقة بفكرة المشروع الوطني الكوردي نفسها تتعرض للاهتزاز وهو تطور يحمل تداعيات تتجاوز الخلافات الظرفية إلى تهديد أسس الشرعية السياسية.

إن الوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات وإنما هي الركيزة التي تستند إليها قوة الإقليم ومكانته السياسية. فكلما اتسعت الانقسامات الداخلية تراجعت قدرة كوردستان على الدفاع عن مصالحها في بغداد وفي محيطها الإقليمي لأن أي كيان سياسي يفقد تماسكه الداخلي يفقد بالضرورة جزءاً من قدرته على التفاوض وحماية مكتسباته. وفي الداخل يؤدي استمرار الاستقطاب إلى تعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة وتغذية مناخ الشائعات وانعدام الثقة وإضعاف الشعور بالمصير المشترك. ويقدم التاريخ الكوردي شواهد عديدة على أن كثيراً من الانتكاسات لم تكن نتيجة تفوق الخصوم وحده بل جاءت أيضاً نتيجة انقسامات داخلية فتحت الباب أمام التدخلات الخارجية وأضعفت القدرة على مواجهة التحديات.

إن تجاوز هذه المرحلة يتطلب إعادة الاعتبار لفكرة الدولة والمؤسسات بوصفها المرجعية العليا فوق جميع الاعتبارات الحزبية لأن كوردستان لا يمكن أن تبقى رهينة لموازين القوى بين الأحزاب أو لتوافقات مؤقتة. فلا حزب يملك حق احتكار الوطن ولا يمكن لأي مصلحة سياسية ضيقة أن تبرر إضعاف الكيان الذي تحقق بثمن باهظ. كما أن بناء مؤسسات دستورية فاعلة وبرلمان يمارس صلاحياته كاملة وحكومة موحدة وقضاء مستقل لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل بل أصبح شرطاً أساسياً لاستمرار التجربة الكوردستانية. وإلى جانب ذلك تبرز الحاجة إلى خطاب وطني مسؤول يعيد بناء الثقة بين المجتمع والقوى السياسية ويستحضر التضحيات التي جمعت الكورد بدلاً من استثمار الخلافات التي تفرقهم بالتوازي مع وضع قضايا المواطن المعيشية وفي مقدمتها الرواتب والخدمات وفرص العمل في صدارة الأولويات لأن المجتمعات المنهكة اقتصادياً تصبح أكثر هشاشة أمام الانقسام السياسي.

وفي هذا السياق برزت خلال السنوات الماضية مبادرات للرئيس مسعود البارزاني هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية والدعوة إلى معالجة الخلافات عبر الحوار. وقد أكد في أكثر من مناسبة أن «كوردستان أكبر من الجميع» وأن الخلافات ينبغي أن تُعالج على طاولة الحوار لا عبر التصعيد الإعلامي كما دعا إلى تحييد القضايا المعيشية للمواطنين عن التجاذبات السياسية وإلى توحيد الموقف الكوردستاني في القضايا المصيرية وحماية المكتسبات الدستورية للإقليم. وتمثل هذه الدعوات تأكيداً على أن صيانة الوحدة الوطنية وتعزيز عمل المؤسسات يشكلان أساساً للحفاظ على استقرار الإقليم. غير أن نجاح أي مبادرة يبقى مرهوناً باستعداد جميع القوى السياسية لتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية لأن مسؤولية حماية كوردستان هي مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق طرف واحد.

تقف كوردستان اليوم أمام لحظة مفصلية لا تحتمل إدارة الأزمات بالوسائل التقليدية. فإما أن تستعيد القوى السياسية إدراكها بأن حماية المشروع الوطني تتقدم على الحسابات الحزبية وإما أن يستمر استنزاف هذا المشروع من الداخل حتى يفقد مقومات بقائه. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب ليس الخصوم الذين يقفون على حدودها بل الانقسامات التي تتسلل إلى داخلها وتفكك وحدتها باسم السياسة. فالوحدة الوطنية ليست ترفاً سياسياً ولا خطاباً رمزياً وإنما هي الضمانة الأساسية لبقاء كوردستان واستمرار مشروعها وأي تفريط بها لن يُعد خطأً سياسياً عابراً بل سيُسجل بوصفه مسؤولية تاريخية بحق شعب دفع أثماناً باهظة ليصل إلى ما هو عليه اليوم.

قد يعجبك ايضا