نبيل عبد الأمير الربيعي
تعد حرب العراق عام 2003 من أكثر الأحداث المفصلية إثارة للجدل في التاريخ السياسي المعاصر، ليس بسبب إسقاط نظام سياسي فحسب، وإنما لما ترتب عليها من تحولات عميقة في بنية الدولة العراقية، وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التدخلات الإقليمية والدولية. ولأن هذه الحرب قامت على سرديات سياسية واستخبارية وإعلامية ما تزال موضع نقاش، فقد ظهرت عشرات الدراسات التي حاولت تفكيك خلفياتها، ويأتي في مقدمتها كتاب الصحفي الاستقصائي الأميركي آرام روستون الموسوم (أحمد الجلبي: الرجل الذي دفع أمريكا إلى الحرب) (The Man Who Pushed America to War)، الصادر باللغة الإنكليزية عام 2008، والمترجم إلى العربية عن منشورات داربين، والمتضمن 552 صفحة، فضلاً عن الوثائق والمراجع والفهارس.
لا يقتصر هذا الكتاب على تقديم سيرة سياسية لأحمد الجلبي، بل يمثل تحقيقاً استقصائياً واسعاً يسعى إلى تتبع الدور الذي أدته المعارضة العراقية، ولا سيما المؤتمر الوطني العراقي، في تشكيل القناعة داخل دوائر صنع القرار الأميركي بضرورة إسقاط نظام صدام حسين. ويعتمد المؤلف على وثائق رسمية، ومقابلات مع مسؤولين أميركيين وعراقيين، فضلاً عن ملفات قضائية وتقارير استخبارية، ليقدم سرداً يزاوج بين التحقيق الصحفي والتحليل السياسي.

ويثير عنوان الكتاب، منذ الوهلة الأولى، سؤالاً محورياً: هل كان أحمد الجلبي حقاً الرجل الذي دفع الولايات المتحدة إلى غزو العراق؟ أم أن العنوان يحمل قدراً من المبالغة الصحفية التي تهدف إلى جذب القارئ؟
يبدو أن روستون ينطلق من فرضية مفادها أن الجلبي لم يكن مجرد معارض سياسي، بل كان أحد أبرز صانعي السردية التي استندت إليها إدارة الرئيس جورج بوش الابن في تبرير الحرب، من خلال الترويج لامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وربط نظام صدام حسين بتنظيم القاعدة. غير أن القراءة المتأنية للكتاب تكشف أن المؤلف، وإن منح الجلبي دوراً محورياً، فإنه يرسم أيضاً شبكة واسعة من العلاقات ضمت المحافظين الجدد، ومراكز الدراسات، وأجهزة الاستخبارات، والإعلام الأميركي، وهي جميعاً أسهمت في صناعة قرار الحرب.
إن القيمة العلمية للكتاب لا تكمن في تحميل شخص واحد مسؤولية واحدة من أخطر الحروب في القرن الحادي والعشرين، وإنما في كشفه الكيفية التي تتفاعل بها الشخصيات الطموحة مع المؤسسات الكبرى، وكيف يمكن أن تتحول المعلومات غير الموثقة إلى أدوات سياسية عندما تجد بيئة مستعدة لتصديقها وتوظيفها.
ويعرض روستون شخصية الجلبي بوصفها نموذجاً شديد التعقيد؛ فهو رجل يمتلك ثقافة رياضية رفيعة، وقدرة استثنائية على بناء العلاقات، وموهبة واضحة في التأثير والإقناع، لكنه في الوقت نفسه يحيط نفسه بقدر كبير من الجدل، سواء فيما يتعلق بقضية بنك البتراء، أو بعلاقاته المتشابكة مع الولايات المتحدة وإيران، أو بالدور الذي أداه بعد احتلال العراق.
ومن القضايا اللافتة التي يثيرها الكتاب أن الجلبي، رغم ما بذله من جهود خلال أكثر من عقد لإقناع واشنطن بتغيير النظام العراقي، لم يصبح الرجل الأول في عراق ما بعد 2003، بل وجد نفسه تدريجياً خارج دائرة النفوذ، في مفارقة سياسية تستحق التأمل. فمن الصعب فهم هذه النهاية دون العودة إلى مسيرته الطويلة التي بدأت مع خروجه من العراق بعد ثورة 14 تموز 1958، ثم انتقاله إلى الولايات المتحدة، وتأسيسه المؤتمر الوطني العراقي، وصولاً إلى دخوله بغداد عقب الاحتلال الأميركي.
هذه المفارقة تمثل واحدة من أهم القضايا التي تستحق الدراسة. فقد كان الجلبي أحد أبرز وجوه المعارضة العراقية القادرة على مخاطبة الغرب بلغته السياسية والاستراتيجية، واستطاع أن يسهم في بلورة مشروع قانون تحرير العراق الذي أقره الكونغرس الأميركي، إلا أن النظام السياسي الجديد لم يمنحه الموقع الذي توقعه كثيرون، إذ سرعان ما وجد نفسه في مواجهة قوى سياسية كانت شريكة له في إسقاط النظام، لكنها أصبحت منافسة له في تقاسم السلطة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين التأثير في صناعة الحدث والاستفادة من نتائجه. فالجلبي كان مؤثراً في مرحلة ما قبل عام 2003، لكنه لم يكن اللاعب الأقوى في مرحلة ما بعده. ويرتبط ذلك، في رأيي، بثلاثة عوامل رئيسة: طبيعة النظام السياسي الذي تأسس على المحاصصة، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، والتحولات الاجتماعية التي طرأت على العراق خلال عقود الاستبداد والحروب والحصار.
ومع ذلك فأن أطروحة روستون، على أهميتها، لا تخلو من مبالغة. فالقرار الأميركي بغزو العراق لم يكن نتيجة تأثير أحمد الجلبي وحده، بل جاء حصيلة تفاعل عوامل استراتيجية أوسع، من بينها مشروع المحافظين الجدد، واستراتيجية الأمن القومي الأميركي بعد أحداث 11 أيلول، والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية، فضلاً عن البيئة الإعلامية التي أسهمت في إعادة إنتاج رواية أسلحة الدمار الشامل بوصفها حقيقة سياسية.
ومن هنا فإن الجلبي كان، بلا شك، فاعلاً مهماً في المشهد، لكنه لم يكن الفاعل الوحيد، كما أن تحميله المسؤولية الكاملة عن الحرب يغفل حقيقة أن القرار النهائي اتخذته مؤسسات دولة عظمى كانت تمتلك دوافعها وأجنداتها الخاصة.
ويحسب لروستون أنه لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يفتح باباً واسعاً للتأمل في العلاقة بين الإعلام والسياسة والاستخبارات، وفي الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الروايات غير المدققة إلى ذرائع لشن الحروب. وهذه واحدة من أهم الرسائل التي يمنحها الكتاب لقارئه؛ فالحروب لا تبدأ دائماً بإطلاق الرصاصة الأولى، وإنما تبدأ أحياناً بتقرير استخباري مضلل، أو بخبر صحفي غير متحقق منه، أو بسردية تتكرر حتى تصبح، في الوعي العام، حقيقة لا تقبل النقاش.
لقد دفع العراق أثماناً باهظة لذلك المسار؛ انهارت مؤسسات الدولة، وتفكك النسيج الاجتماعي، وامتدت آثار الاحتلال إلى حاضر البلاد ومستقبلها. ومن هنا فإن أهمية هذا الكتاب لا تنحصر في كونه سيرة لشخصية عراقية مثيرة للجدل، بل في كونه وثيقة تساعد على فهم آليات صناعة القرار في السياسة الدولية، وكيف يمكن للمعلومات والدعاية واللوبيات أن تؤثر في مصائر الشعوب.
ويبقى أحمد الجلبي، مهما اختلفت الآراء حوله، واحداً من أكثر الشخصيات العراقية إثارة للنقاش في التاريخ السياسي الحديث؛ شخصية لا يمكن اختزالها في صورة البطل أو الخائن، ولا في ثنائية النجاح أو الفشل، لأنها تعكس، إلى حد بعيد، تعقيدات العراق نفسه، وتشابك العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي صنعت واحدة من أكثر محطات تاريخه الحديث إيلاماً.