واشنطن والشرق الأوسط: هل حان وقت إعادة رسم الخريطة الكوردية؟

فيصل اسماعيل

ليست كل التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط مجرد أزمات عابرة، وليست كل الحروب التي تندلع فيه تنتهي بوقف إطلاق النار. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى غالبًا ما تعيد رسم خرائط النفوذ، وتغيّر موازين القوى، وتفتح الباب أمام ولادة وقائع سياسية جديدة. واليوم، ومع تراكم الأزمات في المنطقة، من غزة إلى إيران، ومن سوريا إلى العراق، تبدو واشنطن أمام لحظة مفصلية تفرض عليها إعادة صياغة استراتيجيتها في الشرق الأوسط بما ينسجم مع مصالحها بعيدة المدى، لا مع حلول مؤقتة تفرضها الظروف الآنية.
في هذا السياق، تبرز القضية الكوردية باعتبارها أحد الملفات التي يصعب تجاوزها أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى. فالكورد لم يعودوا مجرد طرف محلي في صراعات المنطقة، بل أصبحوا عاملًا مؤثرًا في معادلات الأمن والاستقرار، وشريكًا أثبت حضوره في مواجهة الإرهاب، الأمر الذي يجعل مستقبلهم السياسي جزءًا من أي ترتيبات إقليمية جديدة.
يشهد الشرق الأوسط مرحلةً غير مسبوقة من التحولات السياسية والأمنية، جعلت معظم ملفات المنطقة تتصدر أجندة صانع القرار في واشنطن. فمن الحرب في غزة، إلى مستقبل سوريا والعراق، مرورًا بالبرنامج النووي الإيراني، وأمن إسرائيل، وحرية الملاحة، ومواجهة تنامي النفوذ الروسي والصيني، بات واضحًا أن الإدارة الأمريكية لا تبحث عن حلول مؤقتة، بل عن صياغة توازنات جديدة تضمن مصالحها الاستراتيجية لعقود مقبلة.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز القضية الكوردية بوصفها أحد الملفات التي يصعب تجاوزها. فقد أثبت الكورد بقيادة الرئيس مسعود البارزاني ، خلال السنوات الماضية، أنهم شريك موثوق في مكافحة الإرهاب، وأسهموا في حماية الاستقرار في مناطق واسعة من العراق وسوريا، مما جعلهم عنصرًا مهمًا في أي معادلة إقليمية جديدة.
ورغم ذلك، لا تزال السياسة الأمريكية تتعامل مع القضية الكوردية بحذر، مراعيةً توازناتها مع تركيا والعراق وسوريا، ومتجنبةً اتخاذ خطوات قد تُفسَّر على أنها تغيير جذري في خريطة المنطقة. إلا أن استمرار الأزمات، وتضارب مصالح القوى الإقليمية، قد يدفع واشنطن إلى إعادة تقييم هذا النهج إذا رأت أن تحقيق الاستقرار الدائم يقتضي ترتيبات سياسية جديدة، يكون للكورد فيها دورٌ أكثر وضوحًا.
إن أي مشروع أمريكي طويل الأمد في الشرق الأوسط لن يحقق أهدافه إذا تجاهل حقوق الشعب الكوردي أو اكتفى بإدارة الأزمات دون معالجة جذورها. فالقضية الكوردية ليست مجرد مطلب قومي، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقضايا الأمن الإقليمي، والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وبناء شراكات موثوقة وقادرة على حماية المصالح المشتركة.
وفي المقابل، فإن نجاح أي تحول سياسي مرهون أيضًا بقدرة القوى الكوردية على توحيد رؤيتها، وتغليب المصلحة القومية على الخلافات الحزبية، وبناء مؤسسات قوية تحظى بثقة شعبها وشركائها الدوليين. فالدعم الدولي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن وحدة الصف، ووضوح المشروع السياسي، وحسن إدارة المؤسسات.
إن المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة قد تعيد رسم كثير من التوازنات السياسية والجيوسياسية. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت التغييرات قادمة، بل كيف سيستعد الكورد لها، وهل سيكونون شركاء في صناعة المستقبل، أم سيكتفون مرة أخرى بانتظار نتائج التفاهمات الدولية؟
إذا كانت الولايات المتحدة تسعى فعلًا إلى شرق أوسط أكثر استقرارًا وأقل خضوعًا لنفوذ القوى الإقليمية، فإن تجاهل القضية الكوردية لن يكون طريقًا إلى هذا الهدف، بل قد يتحول إلى أحد أسباب استمرار عدم الاستقرار. أما التعامل معها بوصفها قضية سياسية عادلة، لا مجرد ورقة تكتيكية، فقد يفتح الباب أمام شراكة أكثر رسوخًا، ويؤسس لتوازن إقليمي أكثر استدامة.
وعليه، فإن الإجابة عن مستقبل القضية الكوردية لن تتوقف على الإرادة الكوردية وحدها، ولا على حسابات القوى الإقليمية فحسب، بل ستتأثر أيضًا بالكيفية التي ستتعامل بها واشنطن مع هذا الملف خلال المرحلة المقبلة.
فإذا اختارت الولايات المتحدة الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة معالجة جذور الصراعات، فقد تجد في إنصاف القضية الكوردية خطوةً تسهم في بناء شرق أوسط أكثر استقرارًا وتوازنًا، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة والمصالح الأمريكية على حد سواء.

قد يعجبك ايضا