صلاح بكر
تُشكل المسألة الغذائية في العصر الحديث أحد أكبر التحديات التنموية والإنسانية التي تواجه المجتمع الدولي، حيث تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والصحية والاجتماعية بشكل وثيق ومباشر. وفي ظل التغيرات المتسارعة والأزمات العابرة للحدود، يُسلط التقرير الأممي الصادر بتاريخ ۲۰۲٦/۷/۱۷ الضوء على واقع معقد ومقلق؛ واقع يتقاطع فيه التقدم المحرز في بعض المؤشرات مع تفاقم الأزمات الهيكلية في مؤشرات أخرى، مما يضع الاستقرار الاجتماعي والصحي الشامل للعديد من المجتمعات النامية والمتقدمة على حد سواء في مهب الريح.
تُظهر التصريحات والمواقف الصادرة عن قيادات المنظمات الدولية المشاركة في إعداد هذا التقرير المحوري أن المعضلة الجوهرية لم تعد تقتصر على إنتاج الغذاء أو توفيره في الأسواق العالمية فحسب، بل امتدت لتشمل القدرة المالية الفعلية للأفراد والأسر على تحمل التكاليف المرتفعة للأنماط الغذائية الصحية. وفي هذا السياق التقييمي، تؤكد السيدة كاثرين روسل، المديرة التنفيذية لليونيسف، أن الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع ولاسيما الأطفال والنساء ،هم الضحية الأولى لقصور النظم الغذائية الحالية وغياب العدالة التوزيعية. وتشدد روسل على أن بناء القدرات الكاملة للطفل وتحقيق نموه السليم يرتبط ارتباطًا وثيقا بالإتاحة الاقتصادية المستمرة للغذاء المغذي، مما يستوجب ضرورة تكامل القطاعات متعددة التخصصات، كالتعليم والصحة والتغذية والحماية الاجتماعية، لدرء المخاطر والحد من الآثار السلبية الناجمة عن الصدمات الاقتصادية والسياسية العالمية.
من جانب آخر، يوضح السيد كارل ساكو، المدير التنفيذي بالنيابة لبرنامج الأغذية العالمي، الواقع الميداني المركب للأزمة الحالية إذ تشكل النزاعات المسلحة المتزايدة والصدمات المناخية الجسيمة عوامل ضغط متصاعدة ترفع التكاليف المعيشية والغذائية على الأسر إلى مستويات قياسية تفوق طاقتها الاستيعابية والمالية. ولتجاوز هذه الفجوة الآخذة في الاتساع، يبرز مفهوم “الاستثمار المستدام” وتطوير النظم الغذائية التكيفية كضرورة استراتيجية وحتمية لضمان استمرار تدفق الأغذية المغذية بأسعار معقولة ومناسبة حتى في أوقات الأزمات الحادة. ويتأتى ذلك من خلال تعزيز الشراكات الفاعلة والمستمرة بين الوكالات الدولية والحكومات الوطنية والمجتمعات المحلية، بهدف بناء نظم قادرة على الصمود وتلبية الاحتياجات الأساسية لكافة المواطنين.
وفي البعد الصحي الوقائي، يقدم الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، رؤية تشخيصية دقيقة تتناول التناقض القائم بين الانخفاض الملحوظ في معدلات الجوع الإجمالية من جهة، وارتفاع تكلفة النمط الغذائي الصحي من جهة أخرى، حيث يعجز نحو ثلث سكان العالم عن تحمّلها. ويفسر هذا الخلل الهيكلي تزايد معدلات السمنة والأمراض المزمنة وتعثر المبادرات المستهدفة لتغذية الأمهات والأطفال. ولتحقيق التحول المطلوب، يطرح غيبريسوس حزمة من الحلول السياساتية القابلة للتطبيق والمباشرة، تشمل فرض الضغوط التنظيمية والضريبية على المنتجات غير الصحية، وتوسيم العبوات الغذائية بشفافية، وحظر التسويق الضار الموجه للأطفال، فضلاً عن تشجيع الرضاعة الطبيعية؛ حمايةً للصحة العامة باعتبار الأغذية الصحية أساسًا متينًا للصحة وحقًا إنسانيًا وليست مجرد خيار رفاهي.
كما يشدد التقرير على أهمية تحويل الأدلة المتاحة إلى استثمارات ملموسة عبر الشراكات الفاعلة، لبناء سلاسل قيمة قادرة على الصمود ونظم سوق واقتصادات ريفية تجعل الغذاء المغذي والصحي في متناول الجميع.
ختاما، يتضح جليا من المعطيات والأدلة التي قدمها التقرير الأممي الصادر بتاريخ ۲۰۲٦/۷/۱۷ أن مواجهة الفقر الغذائي والتغذوي تتطلب الانتقال السريع من الأطر التشخيصية والتوصيات النظرية إلى التدخلات الاستثمارية الهيكلية على أرض الواقع. إن بناء سلاسل قيمة قادرة على الصمود، ودعم الاقتصادات الريفية وتطوير نظم السوق، وصياغة سياسات عامة شجاعة، هي السبيل الوحيد لضمان أن يصبح الغذاء الصحي خيارا متاحا للجميع دون استثناء، بما يضمن حماية الأجيال القادمة وصون الاستقرار التنموي البشري والاقتصادي على المستوى العالمي.