ماهين شيخاني
الدستور قبل المناصب: لماذا لا تُختزل القضية الكوردية في مقاعد البرلمان؟
تمهيد: ليست قضية مناصب… بل قضية وجود
حين يُطرح الحديث عن مستقبل الكورد في سوريا، فإن القضية لا تتعلق بمنصب وزاري، أو مقعد برلماني، أو موقع إداري في مؤسسات الدولة. فهذه جميعها مكاسب سياسية قد تأتي وقد تزول بتغير الحكومات وموازين القوى. أما القضية الكوردية، فهي قضية وجود وهوية وحقوق دستورية، تشكلت عبر عقود طويلة من النضال والمعاناة، ولا يمكن اختزالها في معادلة المحاصصة أو التمثيل الرمزي.
فمنذ تأسيس أول تنظيم سياسي كوردي في سوريا عام 1957، مروراً بالإحصاء الاستثنائي عام 1962، ومشروع الحزام العربي، وسياسات التعريب والحرمان من اللغة والثقافة، ظل الكورد يدفعون ثمناً باهظاً دفاعاً عن حقهم في الاعتراف بوجودهم القومي. ولذلك فإن أي مقاربة لمستقبلهم لا تنطلق من هذه الحقيقة، تبقى قاصرة عن فهم جوهر القضية.
إرث نضالي لا يجوز اختزاله
لم يكن نضال الكورد طوال العقود الماضية سعياً وراء المناصب، بل سعياً وراء العدالة. لقد واجهوا: الحرمان من الجنسية لآلاف المواطنين. منع تعليم اللغة الكوردية. مصادرة الأراضي عبر مشروع الحزام العربي. تغيير أسماء القرى والبلدات. تهميشاً سياسياً وثقافياً امتد لعقود.
هذا التاريخ لم يُكتب لكي ينتهي بمقاعد محدودة في البرلمان أو ببضعة مناصب إدارية، بل ليؤسس لشراكة وطنية قائمة على الاعتراف والحقوق والمساواة.
بين المشاركة السياسية واختزال القضية
لا تعارض بين مشاركة الكورد في مؤسسات الدولة وبين استمرارهم في المطالبة بحقوقهم الدستورية، بل إن المشاركة السياسية حق طبيعي لأي مكوّن وطني. غير أن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه المشاركة إلى بديل عن المطالب الجوهرية، أو عندما يُنظر إلى بعض المناصب بوصفها نهاية الطريق، لا بدايته.
فالمقاعد البرلمانية، مهما كان عددها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الاعتراف الدستوري، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتأجيل معالجة القضايا الأساسية.
ولهذا فإن المطلوب ليس رفض المشاركة، وإنما رفض اختزال القضية الكوردية في منطق الترضيات السياسية.
الدستور… الضامن الحقيقي للحقوق
في التجارب السياسية الحديثة، لم تحمِ الشعوبَ المناصبُ، بل حمتها الدساتير.
فالوزراء يتغيرون. والبرلمانات تُحل. والحكومات تسقط. أما الدستور، عندما يكون نتاج توافق وطني حقيقي، فإنه يبقى المرجعية التي تحمي الحقوق من تقلبات السياسة.
ومن هنا، فإن أي حل مستدام للقضية الكوردية ينبغي أن يبدأ من الاعتراف الدستوري الواضح، لا من توزيع المناصب. ويشمل ذلك، على سبيل المثال:
الاعتراف بالشعب الكوردي مكوناً أصيلاً من مكونات سوريا. ضمان الحقوق اللغوية والثقافية. حماية حق التعليم باللغة الكوردية. اعتماد نظام لامركزي يتيح إدارة الشؤون المحلية ضمن وحدة الدولة. مشاركة عادلة في مؤسسات الدولة على أساس المواطنة والشراكة، لا على أساس الترضيات المؤقتة. هذه ليست امتيازات استثنائية، وإنما حقوق تتوافق مع مبادئ الدولة الديمقراطية التي تقوم على الاعتراف بالتعددية واحترام التنوع.
هل تكفي الشعارات؟
كثيراً ما يُتحدث عن “المواطنة” و”التعددية” و”سوريا لكل السوريين”. لكن التجربة السورية أثبتت أن الشعارات وحدها لا تكفي. فالحقوق التي لا تتحول إلى نصوص دستورية واضحة، تبقى رهينة تغير الحكومات والظروف السياسية.
ولهذا فإن المعيار الحقيقي لأي مرحلة انتقالية لن يكون عدد المسؤولين الكورد في مؤسسات الدولة، بل مقدار ما يتضمنه الدستور الجديد من ضمانات قانونية تحمي حقوق جميع المكونات.
مسؤولية القوى الكوردية
تقع على عاتق القوى السياسية الكوردية مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة. فالمطلوب ليس التنافس على المناصب، بل توحيد الرؤية حول الثوابت الوطنية التي لا يجوز التنازل عنها. كما أن الانشغال بالخلافات الحزبية أو المكاسب الآنية قد يؤدي إلى إضاعة فرصة تاريخية لصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق الأجيال القادمة.
إن وحدة الموقف التفاوضي، والتمسك بالمطالب الدستورية، والعمل ضمن رؤية وطنية جامعة، تمثل اليوم أحد أهم عناصر القوة السياسية للكورد.
الاعتراف بالحقوق يعزز وحدة سوريا
إن الاعتراف بالحقوق القومية للكورد لا يتعارض مع وحدة سوريا، بل يعززها.
فالدول المستقرة لا تُبنى على الإنكار أو الإقصاء، وإنما على الشراكة والعدالة والمساواة أمام القانون. أما تجاهل مطالب مكوّن أساسي من مكونات البلاد، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات التي دفعت سوريا أثمانها الباهظة طوال العقود الماضية.
إن وحدة الأوطان تصبح أكثر رسوخاً عندما يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والمسؤوليات.
الخاتمة: الدساتير تصنع المستقبل… لا المناصب
قد يمنح المنصب صاحبه نفوذاً مؤقتاً، لكنه لا يمنح شعباً حقوقه. وقد تفتح المشاركة السياسية أبواباً للحوار، لكنها لا تغني عن تثبيت الحقوق في نصوص دستورية واضحة وملزمة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الكورد اليوم ليس زيادة عدد المقاعد في البرلمان، بل تحويل مطالبهم المشروعة إلى ضمانات دستورية دائمة، تحميها مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
فالأشخاص يرحلون، والحكومات تتبدل، أما الدساتير فهي التي ترسم مستقبل الأوطان. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً في أذهان الجميع هو:
ماذا سنورث للأجيال القادمة؟ هل سنورثها صوراً تذكارية مع أصحاب القرار، أم دستوراً يحفظ الحقوق ويصون الكرامة؟
فالمناصب قد تُمنح اليوم وتُسحب غداً، أما الحقوق فلا ينبغي أن تبقى رهينة تبدل الحكومات أو تغير موازين القوى، بل يجب أن تُكتب في الدستور، لأنها وحدها الضمان الحقيقي لمستقبل الشعوب.