فرض الضرائب الجدیدة وتحصیل الإيرادات: الحل الأساسي لعملیة الاصلاحات الاقتصادیة والمالیة في حكومة دولة رئیس الوزراء مسرور بارزاني
الباحث الاقتصادي والحقوقي / رَنْج باراوي
تولى الكابينة التاسعة برئاسة السيد مسرور بارزانی مهامها في وقت كان فيه إقليم كردستان يواجه تحديات محلية وخارجية قاسية. إن قراءة منطقية لهذه التشكيلة تثبت أن الهدف الأساسي لرئيس الوزراء لم يكن مجرد إدارة شؤون البلاد اليومية، بل تغيير فلسفة الحكم من «امتلاك الإيرادات» إلى «بناء البنى التحتية والسيادة الوطنية». لقد عملت هذه الكابينة بكل حرص على المشاريع الاستراتيجية، بهدف ترسيخ التعايش والمواطنة الاجتماعية ضمن عقد اجتماعي متين.
سياسة الشراكة وعقبة المعارضة «عديمة البرنامج»
من المثير للاستغراب أنه في الوقت الذي كانت فيه بعض الأطراف والقوى السياسية شركاء فعليين للحكومة ولديهم حصة في القرارات، إلا أنهم بدلاً من سد الثغرات، سعوا باستمرار لكسر هيبة الحكومة وخلق الفوضى السياسية. إنهم يحاولون إسقاط الحكومة وكأنهم ليسوا جزءاً من هذه الكابينة. وخاصة في إدارة السليمانية، فإن نفوذ تلك القوة السياسية المشرفة عليها يتبع سياسة مزدوجة ويضع عراقيل كبيرة أمام برامج الإصلاح الخاصة بالكابينة. إنهم لا يريدون نجاح الحكومة، لأن نجاح كابينة مسرور بارزانی يعني نهاية ذلك النفوذ الحزبي الذي يريد توجيه الإدارة المحلية وفق أهوائه.
المشاريع الكبرى؛ العمود الفقري للاقتصاد الوطني
نظر رئيس الوزراء إلى التنمية بمنظور استراتيجي؛ فمشاريع الاستثمار في قطاع الزراعة والصناعة الغذائية، وبناء السدود، وإنشاء السایلوهات، وفتح الطرق، ليست مجرد مشاريع عادية بل هي خطوات للتحرر من «اقتصاد المستهلك» والانتقال إلى «اقتصاد المنتِج». لهذه المشاريع تأثير مباشر على بناء الوطن، وتوفير فرص العمل، والتنمية الاقتصادية. ولولا العراقيل والعوائق الداخلية لَمَا كانت نسب البطالة والأزمات المالية بمثل هذا المستوى اليوم.
إن تاريخ الحكم في بعض الدول يشبه تجارب رؤساء وزراء دول أخرى في المراحل الصعبة التي مرت بنفس تحدياتنا. فقد عُرفت كابيناتهم أيضاً بـ «كابينة الخدمة»، لكنهم عانوا من مشكلة المواطنة الاقتصادية كتأخر الرواتب وتذمر المواطنين، إلا أنهم تمكنوا عبر تطبيق خطة اقتصادية خاصة وصارمة من معالجة تلك المشكلة. وقد سلك مسرور بارزانی نفس هذا الاتجاه العملي، رغم أن الطريق مليء بالعقبات السياسية.
ضرورة مراجعة الذات؛ فيما يخص المستشارين والمواطنة:
رغم كل الجهود، اعترف السيد رئيس الوزراء بصراحة وجود نواقص. ولككي تنجح هذه الكابينة أكثر، كان ينبغي أن يكون من أولويات عمل الحكومة الاهتمام بكفاءة الشخصيات والمستشارين؛ أولئك الذين يتمتعون بالخبرة والذوق الخاص والدقة، والقادرين على تقديم مشاريع عملية ومؤثرة. فهناك العديد من الكفاءات في هذا الإقليم، ولو تم تعيينهم كمستشارين أو مسؤولين لكانت التطورات أكثر بروزاً والتحديات أقل. كما لو أنه تم الاهتمام أكثر ببناء المواطن، لما استطاع تيار أعداء وخصوم إنجازات الكابينة أن يؤثروا بتلك الطريقة على عقل وخطاب أقلية من المواطنين المؤثرين على الأغلبية.
خريطة الطريق الاقتصادية المستقبلية والسندات القانونية:
لتجاوز هذه المرحلة، يجب العمل على تغيير خريطة طريق الإيرادات بدعم قانوني:
1. الأسس القانونية: الاعتماد على «قانون الإصلاح في التقاعد والرواتب والمخصصات والمنح والامتيازات المالية في إقليم كردستان – العراق، رقم (2) لسنة 2020». وتحديداً المادة 18 الخاصة بتنظيم الإيرادات وإعادتها إلى الخزينة العامة. وكذلك قانون الضرائب رقم (26) لسنة 2007 الذي يمنح صلاحيات واسعة لوزارة المالية لتنظيم أسس فرض الضرائب.
2. الإجراءات القانونية لفرض الضرائب:
* ضريبة الدخل الإلكترونية: استناداً للمادتين (2 و 6) من قانون ضريبة الدخل (رقم 113 لسنة 1982 المعدل)، والتي تشمل جميع الإيرادات التجارية والمهنية بالضريبة، ويمكن بقرار وزاري اعتبار الدخل الإلكتروني دخلاً مهنياً.
* الضريبة البيئية: استناداً لقانون حماية وتحسين البيئة (رقم 8 لسنة 2008)، وتحديداً المادة 26، يمكن للحكومة استقطاع مبالغ كتعويض عن تلويث البيئة من الشركات الصناعية.
* ضرائب قطاع الخدمات: استناداً لصلاحيات وزير المالية في قانون ضريبة الدخل، يمكن تنظيم قائمة جديدة للأنشطة مثل مراكز التجميل والاتصالات بالضرائب.
* المقاولات: استناداً لتعليمات وزارة المالية رقم (1) لسنة 2021 بشأن (Tax Clearance)، لن ينال أي مشروع مستحقاته المالية ما لم يجلب شهادة براءة ذمة ضريبية، وهذا سند قوي للتدقيق.
* تقليص النثريات: بالاعتماد على المادة 5 من قانون الإصلاح (رقم 2 لسنة 2020) لتقليص الامتيازات المالية، يمكن للسلطة التنفيذية خفض نثريات الوزراء والدرجات الخاصة بنسبة (90%) لإعادتها إلى الخزينة العامة.
توصيات استراتيجية لنجاح الكابينة التاسعة على ضوء رؤيتي الاقتصادية والقانونية، إذ عملتُ في السنوات السابقة مستشاراً اقتصادياً في مركز معلومات العمل التابع لوكالة (UNOPS)، وغرفة تجارة السليمانية، وعملي في منظمة (KEDO)، إضافة إلى خبرتي وتدريبي في تقديم الاستشارات للشركات المتوسطة والكبرى في إيطاليا، أطرح النقاط التالية:
1. تأسيس «الصندوق الوطني لاستقرار الرواتب»: إنشاء صندوق خاص بإشراف مباشر من مجلس الوزراء لتجميع الإيرادات (ضريبة الدخل الإلكترونية، الضريبة البيئية، والمبالغ المستقطعة من نثريات الدرجات الخاصة). ستكون هذه الخطوة، بالاستناد إلى المادة 18 من قانون الإصلاح (رقم 2 لسنة 2020)، سنداً قانونياً لتأمين الرواتب.
2. أَمْسَسَة «الدبلوماسية الاقتصادية للمغرب العربي الكبير»: تكليف وزارة التجارة والصناعة بعقد مذكرات تفاهم مع دول (المغرب العربي الكبير: تونس، المغرب، الجزائر، ليبيا، موريتانيا) لفتح معارض دائمة لبضائع الإقليم. سيكون هذا، استناداً لقانون الاستثمار في إقليم كردستان، نافذة للإيرادات الخارجية.
3. تفعيل «غرفة استشارات التكنوقراط»: تشكيل فريق استشاري صغير وكفؤ من الخبراء المحليين والأجانب لتقديم «مشاريع سريعة النتائج». استناداً لصلاحيات رئيس الحكومة في قانون مجلس الوزراء، ستقوم هذه الغرفة بالتدقيق في المشاريع ومنع هدر المال العام.
يلعب مسرور بارزانی، بما يملكه من إرادة وثقة، دوراً تاريخياً في مواجهة الصعوبات وٲن الرسالة الخفية لهذا المقال هي ضرورة العمل وفق هذه خريطة الطريق. إن نجاح هذه الكابينة هو نجاح للإرادة الوطنية بوجه تلك النفوذ والسياسات المزدوجة التي تريد إيقاف تقدم إقليم كردستان. يجب أن تُتخذ هذه المحطة كبداية لمرحلة جديدة من الاعمار والقرارات الشجاعة التي تكون فيها خدمة المواطن فوق كل غاية.
المصادر والهوامش:
1. القوانين والقرارات النافذة:
-قانون الإصلاح في التقاعد والرواتب والمخصصات والمنح والامتيازات المالية في إقليم كردستان – العراق، رقم (2) لسنة 2020: السند الرئيسي لتنظيم المصروفات وتقليص امتيازات الدرجات الخاصة (المادة 5، المادة 18).
-قانون ضريبة الدخل، رقم (113) لسنة 1982 (المعدل): الاساس القانوني لفرض الضرائب على الأنشطة التجارية والمهنية (المادة 2 و 6).
-قانون الضرائب في إقليم كردستان، رقم (26) لسنة 2007: القانون الخاص بالإقليم لصلاحيات هيئة الضرائب.
– قانون حماية وتحسين البيئة في إقليم كردستان، رقم (8) لسنة 2008: الأساس القانوني للضريبة البيئية وتعويض الأضرار (المادة 26).
-تعليمات وزارة المالية والاقتصاد في إقليم كردستان، رقم (1) لسنة 2021: خاصة بنظام براءة الذمة الضريبية (Tax Clearance) للمقاولات والمشاريع.
2. التقارير الاستراتيجية:
-رؤية الكابينة التاسعة للاقتصاد المنتِج، مجلس الوزراء، التقرير رقم (104)، بتاريخ 15/9/2020: تشير إلى استراتيجيات تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
-تقرير تقييم وزارة التخطيط، رقم (502)، بتاريخ 20/3/2023: خاص بأهداف التنمية المستدامة وخريطة الطريق الاقتصادية للإقليم.
3. الهوامش:
-الهامش (1): إشارة إلى السياسة المزدوجة في إدارة السليمانية؛ يعتمد التحليل على التفاوت في تطبيق القرارات المالية.
– الهامش (2): تجربة الدول ذات الاقتصاد المنتِج (سنغافورة وكوريا الجنوبية)؛ نموذج للتحول الاقتصادي.
– الهامش (3): الدبلوماسية الاقتصادية مع دول (المغرب العربي الكبير)؛ استراتيجية لإيجاد أسواق جديدة لبضائع الإقليم.