لا احترام بلا قوة: لماذا آن الأوان لاعتماد العرب على أنفسهم؟

محمود سيد محمد
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.

في عالم اليوم، حيث تتشكل ملامح نظام دولي جديد على أنقاض النظام القديم، باتت القاعدة الذهبية التي تحكم العلاقات بين الأمم واضحة بلا لبس: العالم لا يحترم إلا الأقوياء. والأقوياء اليوم ليسوا من يملكون الثروات فقط، بل من يمتلكون القدرة على الإنتاج، والمعرفة، والدفاع عن قرارهم السيادي. السؤال الذي يفرض نفسه على كل عربي: لماذا نظل في مؤخرة الركب ونحن نملك من المقومات ما يجعلنا في المقدمة؟

دعونا نضع الأرقام أمام الأعين، فالحديث عن النهضة لا يقوم على الإنشاء الأدبي، بل على حقائق ملموسة.

بين الإمكانات الهائلة والواقع المأزوم

يمتلك الوطن العربي مقومات لا تمتلكها معظم مناطق العالم. فعدد سكان الدول العربية يتجاوز 450 مليون نسمة، يشكل الشباب (15-34 عاماً) نحو 35% منهم في دول كالسعودية، ونحو 20% في مصر. هذه النسبة العالية من الشباب تمثل طاقة بشرية هائلة، قادرة على قيادة نهضة علمية وتكنولوجية، لو تم استثمارها بالشكل الصحيح.

لكن المؤشرات المحزنة تكشف الفجوة. ففي مؤشر البحث العلمي، يبلغ عدد الباحثين في العالم العربي 650 باحثاً لكل مليون نسمة، مقابل 1350 باحثاً لكل مليون على مستوى العالم. والأكثر إيلاماً أن العالم العربي لا يشكل سوى 1.1% من المنشورات العلمية العالمية، رغم أنه يضم أكثر من 5% من سكان العالم. أما الإنفاق على البحث والتطوير، فلا يتجاوز 0.48% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، بينما في كوريا الجنوبية يتجاوز 4%، وفي الصين يقترب من 3%.

في المقابل، هناك بوادر أمل تستحق الوقوف عندها. فقد شهد الإنفاق على البحث والتطوير في السعودية نمواً بنسبة 30.4% ليبلغ 29.48 مليار ريال (نحو 7.9 مليارات دولار)، وساهم القطاع الخاص السعودي بـ 41% من هذا الإنفاق. وهذا يؤكد أن الإرادة السياسية قادرة على صنع الفارق.

السيادة الغذائية.. أمن قومي لا رفاهية

من أخطر الملفات التي تهدد الأمن القومي العربي، ملف الأمن الغذائي. فالدول العربية من أكثر مناطق العالم استيراداً للغذاء. تشير التقديرات إلى أن نسبة تحقيق الدول العربية للاكتفاء الذاتي في الزيوت النباتية لا تتعدى 23.8%، وفي السكر 31.4%. ورغم تحسن النسب في اللحوم الحمراء إلى 73.7%، إلا أن الاعتماد على الاستيراد في السلع الأساسية يظل خطراً استراتيجياً.

مصر وحدها سجلت وارداتها من الخارج نحو 74.7 مليار دولار خلال 11 شهراً من 2025، ومنها واردات غذائية أميركية قفزت 50% إلى 2.2 مليار دولار. والإمارات استوردت سلعاً غذائية بقيمة 6.8 مليارات دولار خلال 2025. هذه الأرقام تعني أن مائدتنا العربية رهينة لتقلبات الأسواق العالمية ولإرادة الدول المصدرة.

لكن هناك نماذج مشجعة: السعودية حققت اكتفاءً ذاتياً تجاوز 100% في الخضروات كالباذنجان والبامية والخيار، وبلغت نسبة الاكتفاء من لحوم الدواجن 75%. وعُمان احتلت المركز الرابع عالمياً والأول عربياً في مؤشرات الاكتفاء الذاتي الغذائي، محققة 158% في الثروة السمكية. هذه النماذج تؤكد أن الاعتماد على الذات ممكن، إن توفرت الإرادة والتخطيط.

الإنفاق العسكري.. كم ننفق وماذا ننتج؟

الإنفاق العسكري العربي يبلغ نحو 165 مليار دولار سنوياً. السعودية تتصدر بـ 74.7 مليار دولار (المرتبة الخامسة عالمياً)، تليها الجزائر بـ 25 ملياراً، ثم المغرب بـ 13.4 ملياراً.

لكن السؤال المحرج: كم من هذا الإنفاق يذهب إلى تصنيع عسكري محلي، وكم يذهب إلى استيراد الأسلحة الجاهزة؟ بينما تستحوذ ثلاث دول فقط (السعودية والجزائر والمغرب) على النسبة الأكبر من الإنفاق، هناك 6 دول عربية يقل إنفاقها الدفاعي عن مليار دولار. هذا التفاوت يعكس غياب التكامل العسكري العربي، ويجعل الأمن القومي العربي رهناً بقدرات فردية غير منسقة.

الطاقة المتجددة.. مستقبل واعد

في ملف الطاقة، تبشر المؤشرات بخير. فقد نجحت المنطقة العربية على مدار 22 عاماً في استقطاب استثمارات أجنبية لمشروعات الطاقة المتجددة تجاوزت 351 مليار دولار، موزعة على 360 مشروعاً. وتتجه سعة الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للارتفاع إلى 73.8 غيغاواط في 2025، مقابل 60.2 غيغاواط عام 2024.

السعودية أضافت 9 غيغاواط من القدرة التوليدية في 2025، أي 3 أضعاف ما أضافته عام 2024، ووقعت صفقات طاقة شمسية ورياح بسعة 15 غيغاواط بتكلفة 31 مليار ريال (8.3 مليارات دولار). هذه المشاريع تثبت أن العرب قادرون على قيادة تحول الطاقة العالمي، إن وظفوا إمكاناتهم الطبيعية والمالية.

التنافسية العالمية.. إنجازات وبقايا طموح

في مؤشر التنافسية العالمية لعام 2025 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)، حققت ثلاث دول عربية مراكز متقدمة ضمن الـ 20 الأوائل: الإمارات في المركز الخامس، وقطر في التاسع، والسعودية في السابع عشر. الإمارات احتلت المركز الأول عالمياً في غياب البيروقراطية، والثاني في مرونة السياسات.

هذه الإنجازات تؤكد أن النهضة العربية ممكنة، وأن المؤسسات الوطنية القوية قادرة على المنافسة العالمية. لكنها تظل استثناءات، في وقت نحتاج فيه إلى نهضة شاملة تطال كل الدول العربية.

التجارة البينية.. انعكاس للانقسام

ورغم الحديث عن السوق العربية المشتركة، لا تزال التجارة البينية العربية متواضعة، بحدود 13.8% من إجمالي التجارة الخارجية العربية. صادرات مصر إلى منطقة التجارة الحرة العربية بلغت 19.8 مليار دولار عام 2025، والتجارة بين السعودية وقطر قفزت 39% لتصل إلى 1.5 مليار دولار.

هذه الأرقام تعكس واقعاً مؤلماً: نحن أمة واحدة في الجغرافيا، متفرقة في الاقتصاد والسياسة. التكامل الاقتصادي العربي لا يزال حلماً، بينما العالم يتجه نحو تكتلات اقتصادية عملاقة.

الخلاصة: القوة عنوان الاحترام

العالم الجديد لا يرحم. النظام الدولي الذي يتشكل اليوم يقوم على مراكز القوة، لا على الشعارات. الدول التي تستثمر في عقول أبنائها، وتُحرر قرارها السيادي، وتُنتج ما تستهلكه، وتُصنع ما تدافع به عن نفسها، هي التي ستجلس على طاولة القرار. والباقون سيكونون متفرجين، أو ساحات للصراعات التي يديرها الآخرون.

نحن العرب نملك المال، والموقع، والطاقة البشرية، والتاريخ. ما نفتقده هو الإرادة الجماعية، والتكامل، والثقة بالنفس. حان الوقت لنقولها بصوت واحد: لا احترام بلا قوة، ولا قوة بلا اعتماد على الذات. فإما أن نكون صنّاع المستقبل، وإما أن نكون ضحاياه.

قد يعجبك ايضا