عرفان الداوودي
في ظل تصاعد مطالب الشارع العراقي بمحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، أثار البيان الصادر عن مجلس القضاء الأعلى بتاريخ 11 تموز 2026 بشأن قضية شركة مصافي الشمال والمتهم الموقوف عدنان الجميلي وعدد من أعضاء مجلس النواب، جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً. فقد أشار البيان إلى أن القضية ستُعالج وفق الإجراءات الخاصة بقانون العفو، مع اشتراط تسديد الأموال المستحقة إلى الجهة المتضررة، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام هذا التوجه مع أحكام القانون العراقي والاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الفساد.
إن معالجة ملفات الفساد الكبرى لا ينبغي أن تُختزل في استرداد الأموال فقط، لأن جرائم الاختلاس والرشوة وإساءة استعمال السلطة لا تمس المال العام فحسب، بل تضرب هيبة الدولة وتقوض ثقة المواطنين بمؤسساتها، وتؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار السياسي والاقتصادي.
ويُعد الاختلاس في التشريع العراقي من الجرائم المخلة بالشرف، وقد شدد قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل على خطورة هذه الجريمة، لما تمثله من اعتداء على المال العام واستغلال للوظيفة العامة. ولذلك رتب عليها عقوبات أصلية وتبعية، تشمل السجن ورد الأموال المختلسة وما نتج عنها من أرباح أو منافع، فضلاً عن الحرمان من تولي الوظائف العامة مستقبلاً.
كما أن الإجراءات القانونية لا تقف عند حدود معاقبة الفاعل، بل تمتد إلى تعقب الأموال المنقولة إلى الغير وحجزها واستردادها، وهو ما أكده قانون أصول المحاكمات الجزائية، حمايةً للمال العام ومنعاً لشرعنة عائدات الجريمة.
ومن الناحية القانونية، فإن مجرد إعادة الأموال المختلسة لا يؤدي إلى انقضاء المسؤولية الجزائية، لأن جريمة الاختلاس لا تنحصر في الضرر المالي، وإنما تمثل اعتداءً على الثقة العامة ونزاهة الوظيفة، وهي قيم يحميها القانون قبل حماية الأموال نفسها.
ويذهب قانون العقوبات العراقي إلى أبعد من ذلك، إذ نص في المادة (321) على حرمان المحكوم بجريمة الاختلاس من بعض الامتيازات القانونية، وربط إطلاق سراحه برد الأموال المختلسة، وهو ما يعكس إرادة المشرع في تشديد العقوبة على مرتكبي جرائم المال العام وعدم التساهل معها.
أما إذا ثبت أن الأموال المختلسة قد وُزعت على مسؤولين أو موظفين أو شخصيات عامة مقابل منافع أو تسهيلات، فإن الأمر لا يتعلق بجريمة اختلاس فقط، وإنما يمتد إلى جرائم الرشوة وغسل الأموال والاشتراك الجرمي، وهي جرائم مستقلة لكل منها أركانها وعقوباتها. ويأخذ القانون العراقي بمبدأ وحدة جريمة الرشوة، إذ يعامل الراشي والمرتشي بوصفهما فاعلين أصليين متى تحقق العرض والقبول، وتطبق الأحكام على جميع من اشترك في ارتكاب الجريمة أو التستر عليها.
ومن الزاوية السياسية، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة هو ترسيخ قناعة لدى الرأي العام بأن الفساد يمكن تسويته بإعادة جزء من الأموال أو اللجوء إلى نصوص العفو، لأن ذلك يبعث برسالة سلبية مفادها أن سرقة المال العام أصبحت مخاطرة محسوبة وليست جريمة رادعة.
إن العراق، بوصفه طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003، ملتزم قانوناً بتوفير قضاء مستقل وإجراءات شفافة لملاحقة جرائم الفساد واسترداد الأموال ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء أو تمييز. كما تؤكد الاتفاقية على أهمية الشفافية وعلنية الإجراءات القضائية وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات العدالة.
ولذلك فإن القضايا التي تمس المال العام يجب أن تُدار بأعلى درجات الوضوح والعلنية، مع احترام قرينة البراءة وضمان حقوق المتهمين، وفي الوقت نفسه تمكين الرأي العام من متابعة سير العدالة بعيداً عن الضغوط السياسية أو الحزبية، لأن استقلال القضاء لا يتحقق فقط بإصدار الأحكام، بل أيضاً بترسيخ ثقة المجتمع بأن الجميع يخضع للقانون دون حصانة أو استثناء.
إن مكافحة الفساد ليست شعاراً سياسياً، وإنما هي التزام دستوري وقانوني وأخلاقي. فالدول لا تُقاس بعدد القوانين التي تشرعها، بل بقدرتها على تطبيقها بعدالة وحياد. وأي معالجة لملفات الفساد خارج هذا الإطار قد تُفسر على أنها إضعاف لهيبة القانون، وتشجيع غير مباشر على الإفلات من العقاب، وهو ما يتعارض مع مبادئ دولة المؤسسات وسيادة القانون التي نص عليها الدستور العراقي.
وعليه، فإن المطلوب اليوم هو أن تبقى جميع ملفات الفساد الكبرى خاضعة لتحقيقات ومحاكمات علنية وشفافة، وأن يُحاسب كل من يثبت تورطه وفق أحكام القانون، مع استرداد الأموال المنهوبة وملاحقة جميع الشركاء والمستفيدين منها، بما ينسجم مع الدستور العراقي، وقانون العقوبات، والتزامات العراق الدولية في مكافحة الفساد، ويعيد ثقة المواطنين بالقضاء وبمؤسسات الدولة.