مصطفى طارق الدليمي
في عام 2010 التقيت مديراً عاماً في إحدى الوزارات العراقية رجلًا أفنى أكثر من ثلاثين عاماً في مؤسسات الدولة وشهد تعاقب حكومات ووزراء وأنظمة إدارية مختلفة سألته يوماً ما أكثر ما أنهكك طوال هذه السنوات؟ توقعت أن يحدثني عن الحروب أو العقوبات أو شحّ الإمكانات لكنه اكتفى بجملة قصيرة اختزلت تاريخاً كاملًا من الإدارة العراقية فقال “أنا لا أعمل مع وزراء أنا أعمل مع موجات كل موجة تأتي فتهدم ما أنجزته التي سبقتها ثم ترحل تاركةً كل شيء مبعثراً ” يومها بدت العبارة أقرب إلى تذمر موظف مخضرم لكن السنوات كشفت أنها كانت وصفاً دقيقاً لطريقة إدارة الدولة لا لوزارة بعينه فالعراق ماعاد يعاني نقص الأفكار بقدر ما كان يعاني انقطاعها ولم تكن أزمته في قلة المشاريع وإنما في غياب الاستمرار
منذ عام 2003 شهد العراق تشكيل حكومات متعاقبة وتعاقب عشرات الوزراء على الوزارات السيادية والخدمية ومع كل تغيير سياسي كانت تتغير الإدارات العليا وتتبدل الأولويات وتُفتح ملفات جديدة فيما تُغلق ملفات أخرى لم تصل إلى نهايتها وفي كثير من الأحيان كانت المؤسسة تدخل مرحلة انتقالية طويلة يطغى فيها الحديث عن الخطط الجديدة أكثر من الحديث عن استكمال ما بدأ سابقًا حتى أصبح تغيير الأشخاص يعني عملياً تغيير ذاكرة المؤسسة نفسها والمواطن الذي يشاهد مراسم تسلّم الوزير الجديد لمنصبه لا يرى ما يجري خلف أبواب المكاتب بعد انطفاء عدسات الكاميرات هناك تبدأ عملية مراجعة واسعة للقرارات واللجان والمشاريع ويبدأ معها أيضاً سباق غير معلن لإعادة رسم هوية الوزارة ملفات أُنجزت دراساتها تُعاد إلى نقطة البداية ولجان شُكلت تُحل وأولويات تتغير تبعًا للرؤية الجديدة أو للانتماء السياسي الجديد وهكذا تصبح السنوات التي سبقت وصول الوزير كأنها فصل منفصل عن تاريخ المؤسسة ولا يرتبط هذا المشهد بالأشخاص وحدهم انما بطبيعة النظام الإداري والسياسي الذي تشكل بعد عام ألفين وثلاثة
فالوزارة في كثير من الأحيان لم تُنظر إليها باعتبارها مؤسسة دائمة، وإنما باعتبارها جزءاً من توازنات سياسية تتغير مع كل دورة حكومية وعندما تتحول المؤسسة إلى مساحة لإثبات الحضور السياسي تتراجع فكرة البناء التراكمي ويصبح الإنجاز الذي حققه المسؤول السابق جزءاً من سجال سياسي وليس أساساً يمكن الانطلاق منه
ولعل أوضح الشواهد على ذلك ما شهدته قطاعات الصحة والإسكان والتربية والنقل خلال السنوات الماضية مستشفيات وصلت إلى نسب إنجاز متقدمة ثم توقفت لسنوات بسبب تغيير العقود أو تبدل الإدارات مشاريع بنى تحتية أُعيدت دراستها أكثر من مرة قبل أن ترى النور خطط إصلاح إداري انتهت مع انتهاء ولاية من أطلقها لتبدأ بعدها خطط جديدة تحمل عنواناً مختلفاً لكنها تواجه المصير نفسه. وفي كل مرة كانت الدولة تدفع كلفة البداية مرة أخرى، وكأن الزمن الذي مضى ماعاد جزءاً من عمر المؤسسة ولم تقتصر الخسارة على الأموال فالأموال يمكن تعويضها أما الوقت فلا يعود فكل مشروع يتوقف سنوات يحتاج إلى كلف إضافية بسبب تغير الأسعار وتلف المعدات وإعادة التعاقد وتحديث الدراسات ومع مرور الوقت تتراكم المشاريع المتعثرة وتتسع الفجوة بين ما خُطط له وما تحقق على الأرض بينما يبقى المواطن ينتظر الخدمة ذاتها التي وُعد بها أكثر من مرة
غير أن أخطر ما تخسره الدولة مع هذا النمط من الإدارة ليس مشروعاً متعثراً ولا عقداً أُلغي وإنما الخبرة التي تتراكم داخل مؤسساتها فكل وزارة تضم موظفين أمضوا سنوات طويلة في متابعة الملفات يعرفون أسباب تعثرها والقرارات التي مرت بها والثغرات التي واجهتها والحلول التي نجحت وتلك التي فشلت هذه الخبرة لا تُدرّس في الجامعات وإنما تُصنع مع الزمن وهي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة حكومية وحين يُستبعد أصحابها مع كل تغيير إداري أو سياسي تبدأ المؤسسة رحلة جديدة مع أشخاص يحتاجون سنوات أخرى ليصلوا إلى النقطة التي كان غيرهم قد بلغها
وفي علوم الإدارة يُعرف هذا المفهوم بـ”الذاكرة المؤسسية” وهي القدرة على الاحتفاظ بالمعرفة والخبرة ونقلها من جيل إلى آخر داخل المؤسسة الدول التي نجحت في بناء مؤسسات مستقرة لم تعتمد على براعة المسؤول وحده وإنما على منظومة تحفظ القرارات وتوثق التجارب وتجعل المعرفة ملكاً للمؤسسة لا للأشخاص أما حين ترتبط الملفات بأسماء من يديرونها فإن خروجهم يعني خروج جزء كبير من ذاكرة الدولة معهم
ولذلك لا يبدو مستغرباً أن تتكرر الأخطاء ذاتها بعد سنوات قليلة من معالجتها لجان تُشكَّل لدراسة قضايا سبق أن دُرست وتقارير تُكتب حول ملفات سبق أن امتلأت بها الأدراج ومشاريع تعود إلى نقطة البداية لأنها فقدت من يعرف تاريخها ومع كل دورة حكومية تتولد قناعة بأن الحل يبدأ من مشروع جديد بينما تكون المشكلة الحقيقية في غياب الاستفادة من المشروع السابق وقد انعكس ذلك على ثقافة العمل داخل المؤسسات نفسها فالموظف الذي يرى ثمرة جهده تُلغى مع كل تغيير إداري يتعامل مع أي مشروع جديد بوصفه تجربة مؤقتة قد تنتهي قبل أن تكتمل ومع مرور الوقت تتراجع المبادرة ويحل محلها أداء روتيني يكتفي بتسيير الأعمال لأن التجربة علمت كثيرين أن الاستمرار ليس مضموناً وأن الأفكار قد تُدفن بمجرد تغير المسؤول
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن طبيعة النظام السياسي الذي جعل كثيراً من المؤسسات ساحة للتنافس أكثر من كونها أدوات للإدارة فالمواطن لا يعنيه اسم الوزير أو الجهة التي تتولى الوزارة بقدر ما يعنيه أن يجد مستشفى يكتمل في موعده ومدرسة تُبنى وفق الخطة وطريقاً يُنجز دون توقف لكن المشروع في كثير من الأحيان يدخل حسابات مختلفة، فيصبح استمرار العمل فيه مرتبطاً بالتوازنات السياسية أكثر من ارتباطه بالحاجة الفعلية للمجتمع
ولهذا تبدو المفارقة مؤلمة فالعراق يمتلك تاريخاً مؤسسياً يمتد لأكثر من قرن وكان من المفترض أن تنتقل الخبرات من جيل إلى آخر وأن تصبح مؤسساته أكثر نضجاً مع مرور الزمن غير أن كثرة الانقطاعات السياسية والإدارية جعلت كثيراً من تلك الخبرات تبدأ وتنتهي مع أصحابها وكأن الدولة تكتب سيرتها من جديد في كل مرحلة دون أن تقرأ الفصول التي سبقتها
والإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص وإنما بتغيير طريقة التفكير بالمؤسسة فالدولة التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تتوقف مشاريعها مع تبدل الوزراء ولا تجعل خططها مرتبطة بأعمار الحكومات وإنما تبني سياساتها على التراكم وتجعل الإنجاز الوطني ملكاً للدولة لا يُنسب إلى حزب أو كتلة أو مسؤول وعندما تصبح المؤسسة أقوى من الأشخاص تتحول الخبرة إلى أصل ثابت لا إلى ذاكرة فردية تغادر مع التقاعد أو النقل أو الإعفاء
ذلك المدير العام الذي التقيته عام 2010 أُحيل إلى التقاعد منذ سنوات سألت عنه ذات مرة فقيل لي إنه يعيش حياة هادئة بعيداً عن ضجيج المكاتب لكن الجملة التي قالها قبل نحو ستة عشر عاماً بقيت حاضرة في ذهني كلما قرأت عن مشروع متعثر أو خطة أُعيدت من بدايتها أو مؤسسة تبحث عن حلول سبق أن عرفتها في الماضي يومها ظننت أنه يتحدث عن وزارة أما اليوم فأدرك أنه كان يتحدث عن دولة أنهكها النسيان فالدول لا تُقاس بعدد الحكومات التي تعاقبت عليها وإنما بقدرتها على أن تجعل كل حكومة تبدأ من حيث انتهت سابقتها لا من الصفر.