شماعة (كوردستان) لتبرير الفشل.. أين تتبخر مئات المليارات من نفط العراق؟

عبدالحميد زيباري

منذ صياغة أول موازنة اتحادية بعد عام 2005، والجدل حول حصة إقليم كوردستان لا يكاد يهدأ في الأوساط السياسية والإعلامية ببغداد. ومع كل تراجع خدمي تشهده محافظات الوسط والجنوب، تبرز نغمة جاهزة لدى بعض الأوساط السياسية تُحمل الإقليم مسؤولية هذا التراجع، مروجة لفرضية مفادها أن إعمار كوردستان وازدهاره يجريان على حساب ميزانيات المدن العراقية الأخرى. لكن تفكيك هذه الفرضية ومقارنتها بلغة الأرقام والواقع الإداري يضعنا أمام الحقيقة المغيبة: أين تذهب أموال العراق فعلياً؟

تاريخياً، حددت الموازنات الاتحادية حصة الإقليم بنحو 17% (تراجعت فعلياً إلى ما دون 14% بعد استقطاع النفقات السيادية)، وهي حصة لم تكن تصل بانتظام، بل تعرضت لقطع شبه كامل منذ عام 2014، لتعود لاحقاً بصيغ متقطعة ودون تسوية نهائية للملفات العالقة مثل النفط والغاز والإيرادات غير النفطية. ورغم هذا الاضطراب المالي الممتد لسنوات، تمكن الإقليم من صياغة إستراتيجية تنموية واضحة، مستثمراً ما هو متاح لإحداث طفرة عمرانية وخدمية ملموسة شملت الطرق والجسور والإسكان والصحة والسياحة، فضلاً عن إنشاء مطارين دوليين، حتى أصبح الاقليم رئة يتنفس منها العراقيون الهاربون من وطأة تراجع الخدمات في بقية المحافظات.

إن المقارنة الحقيقية لا تكمن في حجم الموازنات، بل في كيفية إدارتها. ففي الوقت الذي اقتصرت فيه التدفقات المالية من بغداد إلى أربيل في السنوات الأخيرة على تمويل رواتب موظفي القطاع العام فقط، دون أي مخصصات استثمارية أو قطاعية، واصل الإقليم تنفيذ مشاريعه الخدمية بالاعتماد على التخطيط وجذب الاستثمارات.

وتشير لغة الأرقام الرسمية إلى تنفيذ أكثر من 1,271 مشروعاً للطرق الخارجية بطول يقارب 5,940 كيلومتراً، وتفعيل 2,747 مشروعاً بلدياً، بجانب 3,139 مشروعاً للمياه والصرف الصحي، و2,248 مشروعاً للشوارع والجسور الداخلية. ولمواجهة تحديات التغير المناخي الشديدة، تم تشييد تسعة سدود جديدة بسعة تخزينية تجاوزت 252 مليون متر مكعب لحماية الأمن المائي والزراعي.

يمتد هذا الفارق الإداري إلى قطاع الطاقة والخدمات؛ إذ تشير الخطط الجارية إلى رفع إنتاج الكهرباء من 2,360 ميغاواط عام 2019 إلى مستهدفات تصل لـ 4,334 ميغاواط بحلول عام 2026. وترافق ذلك مع تفعيل مشروع “روناهي” لإيصال التيار المستمر لنحو 90% من مناطق الإقليم واستفاد منه ملايين المواطنين، مما حد من الاعتماد على المولدات الأهلية بشكل ملموس.

وعلى مستوى الإصلاح المالي والشمول المصرفي، أطلق الإقليم مشروع “حسابي” لفتح أكثر من 950 ألف حساب مصرفي للموظفين والمتقاعدين، وتوزيع نحو 895 ألف بطاقة مصرفية، بالتوازي مع استرداد أكثر من 2.13 تريليون دينار من السلف والديون الحكومية، ومكافحة ظاهرة الرواتب المزدوجة.

اقتصادياً، نجح الإقليم في استقطاب مشاريع استثمارية تجاوزت قيمتها 22.7 مليار دولار موزعة على قطاعات الصناعة والسياحة والإسكان والتجارة والتعليم والصحة. وارتفع الاستثمار الزراعي من 1.8% عام 2018 ليصل إلى نحو 12% وفق الخطط التنموية لعام 2025، مما أتاح تصدير المنتجات المحلية لأسواق إقليمية ودولية.

وفي المقابل، يقف المواطن في البصرة والناصرية وبغداد متسائلاً: أين تذهب مئات المليارات من مبيعات النفط الاتحادي؟

إن الإجابة لا تحتاج إلى تكهن؛ فقضايا الفساد الكبرى التي تكشفت في الآونة الأخيرة، وعمليات استرداد الأموال من بعض المسؤولين -والتي شملت جبالاً من العملات الصعبة والسبائك الذهبية المخبأة بأساليب بدائية وتحت الأرض- تقدم الدليل الدامغ على أن أموال العراق لم تذهب لإعمار كوردستان، بل تسربت إلى مزاريب الفساد الإداري والسياسي الممنهج.

تلك الأموال المنهوبة المهربة إلى الخارج أو المكدسة في الخزائن المظلمة، كانت كافية لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة لمحافظات الوسط والجنوب، والتي لا تزال تعتمد في أغلبها على هياكل تعود إلى عهد النظام السابق دون أي تطوير حقيقي.

إن المقارنة بين واقع الإقليم وواقع بقية المحافظات العراقية تكشف بوضوح أن المشكلة في العراق ليست شحاً في الموارد، بل هي أزمة إدارة وحوكمة. فبينما يثبت الاستقرار الإداري والتخطيط المنظم في كوردستان جدواه بإنتاج واقع تنموي ملموس بموارد محدودة، تظل الموازنات الانفجارية في بغداد ضحية لمنظومة فساد تقضم ثروات البلاد، وتترك ملايين العراقيين يبحثون عن أبسط مقومات العيش الكريم في أغنى بلدان المنطقة.

قد يعجبك ايضا