عطا شميراني
أنا كردي حتى النخاع. أقولها بفخر، لا تعصبًا. أعتز بقوميتي، وأعتز بلغتي الكردية، وأعتز بلباسي الكردي، وأعتز بتاريخ شعبي الذي كُتب بدماء التضحيات قبل أن يُكتب بالحبر. لم تكن الكردية بالنسبة لي مجرد انتماء ورثته عن آبائي، بل كانت خيارًا يوميًا في الدفاع عن هوية حاول كثيرون محوها، لكنها بقيت حية لأنها سكنت قلوب أبنائها قبل أن تسكن جبال كردستان.
وحين أقول إنني كردي، فأنا لا أعلن موقفًا ضد أحد، بل أعبّر عن انتماء أصيل إلى شعب يمتلك ذاكرة وثقافة ولغة وتجربة تاريخية. فالهوية ليست جدارًا يفصل الإنسان عن الآخرين، بل جسرٌ يعرف من خلاله نفسه، ثم يمد يده إلى بقية الشعوب. ولهذا فإن الاعتزاز بالهوية لا يكتمل إلا باحترام هويات الآخرين.
لكن هذا الاعتزاز لا يعني يومًا أن أحتقر هوية الآخرين، أو أسخر من لباسهم، أو أستهزئ بلغتهم، أو أقلل من قيمة تراثهم. فالواثق من هويته لا يحتاج إلى إهانة هوية غيره حتى يشعر بالعظمة. إن الذي يبحث عن مجده في تحقير الآخرين، يعترف من حيث لا يدري بأنه يفتقر إلى الثقة بنفسه.
أشعر بالفخر عندما أرتدي الزي الكردي، لأنه يحمل ذاكرة أجدادي، ورائحة القرى، وحكايات البيشمركة، وألوان الجبال والربيع. إنه ليس مجرد قماش، بل تاريخ يُرتدى، وهوية تُرى بالعين قبل أن تُقرأ في الكتب. لكنه، في الوقت نفسه، لا يجعلني أنظر باحتقار إلى الدشداشة العربية، أو الزي الفارسي، أو اللباس التركي. فكل شعب يحمل في لباسه قصة، وكل قطعة قماش تتحول مع الزمن إلى صفحة من صفحات التاريخ.
منذ آلاف السنين، تعاقبت على هذه المنطقة حضارات كبرى، من سهول بلاد الرافدين إلى جبال زاغروس، وتركت كل أمة بصمتها في اللغة والعمارة والموسيقى والأزياء والعادات. لم يكن اللباس يومًا مجرد وسيلة لستر الجسد، بل كان مرآةً للبيئة، ودليلًا على نمط الحياة، وسجلًا صامتًا يروي قصة الإنسان. ولهذا فإن السخرية من لباس شعب لا تعني السخرية من قطعة قماش، بل من ذاكرة تاريخية كاملة.
الدشداشة بالنسبة للعرب ليست مجرد ثوب، بل رمز لبيئتهم الصحراوية وثقافتهم وتقاليدهم. وكذلك الزي الفارسي يمثل جزءًا من ذاكرة الإيرانيين، كما أن الأزياء التقليدية التركية تعكس قرونًا من التاريخ والثقافة. أما الزي الكردي، فهو ابن الجبل، ورفيق الفصول الأربعة، وذاكرة قرى قاومت النسيان. واحترام هذه الرموز لا ينتقص من اعتزازي بلباسي الكردي، بل يؤكد أنني أفهم معنى الحضارة.
المؤسف أن بعض الناس يظنون أن الدفاع عن الهوية يبدأ بإهانة هويات الآخرين. فيسخرون من لباس شعب، أو يستهزئون بلغته، أو يقللون من تاريخه، ثم يطالبون الآخرين باحترام هويتهم. وهذه مفارقة لا تستقيم مع أي منطق، لأن الاحترام لا يُطلب ممن لا يمارسه.
لقد علمنا التاريخ أن الحضارات العظيمة لم تُبنَ على احتقار الآخرين، بل على التفاعل معهم. فالتجارة، والعلوم، والفنون، والفلسفة، كلها ازدهرت عندما التقت الشعوب، لا عندما تبادلت الشتائم. ولم تسقط حضارة لأنها احترمت غيرها، بل سقطت حين اعتقدت أنها وحدها تستحق البقاء.
الهوية ليست سلاحًا نوجهه إلى الآخرين، بل مسؤولية نحملها بأخلاقنا. وكلما ازدادت ثقتنا بأنفسنا، ازداد احترامنا للتنوع الإنساني. أما الشعور بالنقص، فهو الذي يدفع بعض الناس إلى البحث عن عدو دائم، حتى لو كان مجرد ثوب يرتديه شعب آخر.
لقد عانى الكرد طويلًا من محاولات طمس هويتهم، ومنع لغتهم، وإنكار وجودهم. ولذلك يفترض بنا، نحن الكرد، أن نكون أكثر الشعوب فهمًا لمعنى احترام خصوصيات الأمم الأخرى، لأن من ذاق مرارة الإقصاء لا ينبغي أن يمارس الإقصاء بحق غيره. إن معركتنا الحقيقية ليست مع أزياء الشعوب، ولا مع لغاتها، بل مع كل فكر يريد محو هوية إنسان أو إنكار حقه في الاعتزاز بتراثه.
أنا أدافع عن اللغة الكردية، وأطالب بأن تكون حاضرة في مؤسساتنا ومدارسنا وإعلامنا، لأن اللغة هي قلب الهوية وروحها. وأدافع عن اللباس الكردي، لأنه جزء من ذاكرتنا الوطنية. وأرفض أي إساءة إليه، سواء جاءت من كردي أو من غير كردي. لكنني، بالقدر نفسه، أرفض السخرية من لباس أي شعب آخر، لأن الاحترام لا يتجزأ، والكرامة لا تعرف ازدواجية المعايير.
القومية الحقيقية ليست صراخًا، وليست شعارات تُرفع في المناسبات، وليست منشورات تهاجم الآخرين. القومية الحقيقية هي أن تحب شعبك بصدق، وأن تعمل من أجل تقدمه، وأن تحافظ على لغته وتراثه، دون أن تنزع عن الآخرين حقهم في الاعتزاز بما يملكون. فحب الذات لا يبرر كراهية الآخر، كما أن الاعتزاز بالهوية لا يحتاج إلى صناعة عدو.
سأبقى كرديًا حتى آخر يوم في حياتي. سأظل أفتخر بلغتي، وأرتدي زيي الكردي بكل اعتزاز، وأدافع عن حقوق شعبي في كل محفل. لكنني، في الوقت ذاته، سأحترم العربي عندما يرتدي دشداشته، والفارسي عندما يعتز بتراثه، والتركي عندما يحافظ على ثقافته، كما أحترم كل شعب يرى في تراثه امتدادًا لذاكرته.
فالتاريخ لا يخلّد الأمم لأنها كانت الأعلى صوتًا، بل لأنها كانت الأصدق في حماية ذاكرتها واحترام ذاكرة الآخرين. وما الأزياء التقليدية إلا صفحات صامتة من كتاب الحضارة؛ تمزقها الكراهية، وتحفظها الأخلاق. أما أنا، فسأبقى مؤمنًا بأن الهوية الواثقة لا تخاف من اختلاف الآخرين، وأن الحضارة الحقيقية تبدأ عندما نحترم تراث غيرنا كما نطالبهم باحترام تراثنا. تلك هي الرسالة التي تستحق أن نورثها للأجيال القادمة، لأنها وحدها القادرة على أن تجعل من التنوع مصدرًا للقوة، لا سببًا للصراع.