مرتضى معاش
التربية السليمة للأطفال مشروع متكامل يبدأ منالرعاية ويمر بالوقاية ويتكامل بالتزكية. وهي تحتاجإلى مسؤولية واهتمام وانتباه ومعرفة، كما تحتاجإلى طهارة في الرزق، وصفاء في البيئة، وصدق فيالقدوة، وصبر في البناء، وحكمة في الموازنة بينالحب والحدود. الطفل ليس جسداً يحتاج إلى غذاءمادي فقط، بل…
تُعدّ التربية السليمة للأطفال من القضايا الأساسيةفي بناء الإنسان والأسرة والمجتمع، لأنها لا تقتصرعلى ضبط السلوك الخارجي أو توفير الحاجاتالمادية، بل تمتد إلى تشكيل الضمير، وبناءالشخصية، وتنمية الوعي، وغرس القيم، وتكوينالقدرة على تحمل المسؤولية. فالطفل كائن قابلللتشكل، يحتاج إلى رعاية واعية، وبيئة آمنة، وقدوةصالحة، وتوجيه متدرج يحفظ فطرته وينمّيشخصيته.
وتنبع إشكالية هذا البحث من أن كثيرًا منالممارسات التربوية المعاصرة اختزلت التربية فيالنجاح الدراسي، أو الرعاية المادية، أو الانضباطالظاهري، بينما تراجعت العناية بالأمن العاطفي،والطهارة القيمية، والوقاية المبكرة، وبناء المناعةالأخلاقية. ونتيجة لذلك نشأت فجوة بين ما يحتاجهالطفل من حاضنة تربوية متوازنة، وما يتلقاه أحيانًامن ضغط، أو إهمال، أو قسوة، أو دلال زائد، أوتعرض عشوائي لمؤثرات خارجية.
ومن هنا يسعى هذا البحث إلى إعادة فهم التربيةبوصفها مشروعًا متكاملًا للرعاية والوقاية والتزكية،يقوم على المحبة المنضبطة، والقدوة العملية، وطهارةالبيئة والرزق، والصبر في بناء الشخصية، بمايفضي إلى تكوين طفل متوازن، نزيه، مسؤول،وقادر على النمو الأخلاقي والنفسي السليم.
كذلك تبرز أهمية العودة إلى المفاهيم التربوية العميقةفي القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت عليهم السلام؛لأنها لا تنظر إلى الطفل بوصفه كائناً مادياً فقط، بلبوصفه نفساً قابلة للطهارة أو التلوث، وقلباً قابلاًللانفتاح أو القسوة، وشخصية قابلة للنمو أو التشوه. فالتربية ليست مجرد ضبط للسلوك، بل هي رعايةللوجود الإنساني كله.
أولاً: التربية بوصفها رعاية شاملة
كل شيء في الحياة يحتاج إلى رعاية. فالبيت إذاتُرك مدة من الزمن بلا عناية امتلأ بالغبار وفقد نظامهوجماله. والنبات إذا تُرك بلا ماء ولا تهذيب ولا حمايةمن الأعشاب الضارة ضعف نموه وربما مات. فإذاكان الجماد والنبات يحتاجان إلى رعاية، فالإنسانأولى بذلك، لأنه أكثر حساسية وتعقيداً، ولأن نموه لايقتصر على الجسد، بل يشمل القلب والعقل والنفسوالفطرة والضمير.
الرعاية هي الأصل الذي تتفرع عنه التربية. وهي لاتعني مجرد مراقبة الطفل أو توجيهه حين يخطئ، بلتعني أن يتحمل الوالدان مسؤولية شاملة تجاهه. هذه المسؤولية تبدأ بالاهتمام، ثم الانتباه، ثم الوعي،ثم المعرفة. فالإنسان لا يستطيع أن يرعى ما لا يهتمبه، ولا يستطيع أن يهتم بما لا ينتبه إليه، ولا يستطيعأن ينتبه بصورة صحيحة إذا لم يكن واعياً وعارفاًبطبيعة ما يرعاه.
لذلك يمكن القول إن الرعاية تتكون من أربعة عناصرمترابطة:
المسؤولية: أن يشعر الأبوان أن الطفل أمانة وليسعبئاً.
الاهتمام: أن يكون الطفل حاضراً في وعي الأسرةومركز عنايتها.
الانتباه: أن تُلاحظ حاجاته ومشكلاته وتغيراته قبلأن تتشكل او تتفاقم.
المعرفة: أن يمتلك الوالدان وعياً بكيفية التربيةومراحل النمو وأساليب التوجيه.
والرعاية بهذا المعنى أوسع من الإرشاد والتوجيه. فالإرشاد قد يكون كلمة تقال، والتوجيه قد يكوننصيحة عابرة، أما الرعاية فهي حاضنة مستمرةتوفر للطفل الأمان والنمو السليم. إنها وقاية قبلالانحراف، وعلاج عند الخطأ، ودعم متواصل في كلمراحل التكوين.
ومن هنا نفهم عمق قول الإمام علي عليه السلام: «فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ وَبِإِضَاعَتِهِيَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ». فالرعاية هنا طريق الفوز،والإضاعة طريق الخسران. وهذا المعنى لا يخصالعلاقة بين الإنسان ونفسه فقط، بل يمتد إلى علاقتهبأهله وأولاده وكل من هو مسؤول عنهم. فمن رعىفاز، ومن أهمل أضاع وخسر.
ثانياً: الطفل بذرة.. والتربية سقاية
من أدق الصور التربوية تشبيه الطفل بالبذرة. فالبذرة تحمل قابلية النمو، لكنها لا تضمن وحدهاالثمرة الصالحة. قد تكون البذرة جيدة، لكنها إذاوُضعت في أرض فاسدة، أو تُركت بلا ماء، أو نمتحولها الأعشاب العشوائية، ضعفت وربما فسدت. وكذلك الطفل، يحمل فطرة قابلة للخير والنقاء، لكنهيحتاج إلى بيئة تحفظ هذه الفطرة وتغذيها.
إذا زُرعت بذرة في الأرض ثم تُركت، فقد تسقيهاالأمطار أحياناً، لكنها ستنمو في محيط عشوائي. وقد تنبت حولها نباتات ضارة تستهلك غذاءها، وتمنععنها الهواء والضوء، فتضعف. أما إذا سُقيت ورُعيت،ونُظّف ما حولها، وأُعطيت الغذاء المناسب، فإنها تنمووتثمر.
هكذا الطفل تماماً، فإذا تُرك للشاشات والشارعوالرفاق والمؤثرات العشوائية، نشأت شخصيتهبطريقة غير منضبطة. وقد يتعلم ألفاظاً رديئة،وسلوكيات منحرفة وانفعالات مضطربة وقناعاتمشوهة، من غير أن يشعر الأبوان بخطورة الأمر إلابعد فوات الأوان. أما إذا وُجدت رعاية واعية، فإنالطفل ينمو في حاضنة سليمة تمنحه القدرة علىالتمييز والاتزان.
وهنا تبرز صورة السقاية التربوية. فالمربي لا يزرعالطفل فقط، بل يسقيه كل يوم. والسؤال الجوهريهو: بماذا نسقي أبناءنا؟
هل نسقيهم الصدق أم الكذب، الحلال أم الحرام،الرحمة أم القسوة، هل نسقيهم الهدوء أم العصبية،هل نسقيهم النزاهة أم التحايل، الحياء أم الوقاحة؟
فإذا سُقي النبات بالماء المالح تلف، وإذا سُقيالطفل بالمعاني الفاسدة تلوث قلبه. إن الطفل الذيينمو في بيت يبرر الحرام، أو يستهين بالكذب، أويتسامح مع الفحش، أو يضحك على الألفاظ السيئة،سيظن أن هذه السلوكيات طبيعية أو مقبولة. ولذلك لابد من مراقبة السقاية المعنوية التي تدخل إلى نفسالطفل منذ البداية.
ثالثاً: الرعاية حياة والإهمال موت معنوي
الرعاية تمنح الطفل معنى الوجود. حين يشعر الطفلأنه محبوب، ومرئي، ومسموع، ومحترم، تنمو فيداخله الثقة بالحياة وبنفسه وبأسرته. أما الإهمالفيترك فيه شعوراً عميقاً بالفراغ، وقد يجعله فاقداًللحماس، ضعيف الإرادة، مضطرب الانتماء، يبحثعن التعويض في أماكن أخرى.
الإهمال ليس فقط أن يُترك الطفل بلا طعام أو لباس. قد يكون الطفل مرفهاً مادياً لكنه مهمل نفسياً. وقديعيش في بيت واسع لكنه ضيق عاطفياً. وقد يذهبإلى مدرسة جيدة لكنه لا يجد في بيته من يسمعه أويفهمه أو يرشده. وهنا يكون الإهمال موتاً معنوياً،لأنه يطفئ روح الطفل من الداخل.
كثير من الشخصيات الهشة في مرحلة الشباب لمتبدأ هشاشتها في الشباب، بل بدأت في الطفولةحين غابت الرعاية. فالطفل الذي لا يجد توجيهاً ولاحناناً ولا احتواءً قد يكبر بلا هدف واضح، أو بلاقدرة على مقاومة الانحراف، أو بلا شعور عميقبقيمته.
ولهذا يمكن القول إن الرعاية هي الحياة، والإهمالهو الموت المعنوي. الرعاية تحيي القلب، وتوقظ العقل،وتمنح الإنسان هدفاً. أما الإهمال فيتركه كائناًجسديا فاقدا للحيوية.
رابعاً: مركزية الرعاية الأبوية
في ظروف الحياة الحديثة، قد تضطر بعض الأسرإلى الاعتماد على الحضانات أو مؤسسات الرعايةبسبب العمل أو التعقيدات الاقتصادية. وهذا قديكون مفهوماً في بعض الحالات، لكنه لا ينبغي أنيتحول إلى بديل عن الرعاية الأبوية. فالأبوان ليسامجرد مزودين للحاجات المادية، بل هما المصدر الأولللأمان العاطفي والمعنوي.
الطفل في سنواته الأولى شديد الحساسية، لينالقلب، سريع التأثر. إنه يحتاج إلى تغذية عاطفية لاتوفرها المؤسسات مهما كانت جيدة بالقدر الذييوفره الأبوان. الحضانة قد تنظّم الوقت، وقد توفرعناية خارجية لكنها لا تستطيع أن تحل محل العلاقةالوجودية بين الطفل وأبيه وأمه.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الرعاية المادية والرعايةالنفسية. الرعاية المادية مهمة، لكنها ليست الأصل. الطفل يحتاج إلى الطعام واللباس، لكنه يحتاج قبلذلك إلى الحب والطمأنينة والاحتواء والتوجيه. وقدينشأ طفل في ظروف مادية محدودة لكنه قويالشخصية بسبب دفء الأسرة، بينما ينشأ آخر فيوفرة مادية لكنه مضطرب بسبب الجفاف العاطفي.
إن الرعاية الأبوية هي الحاضنة الأولى التي تثبتوجود الطفل في الحياة. فالطفل الذي يجد أباً وأماًحاضرين في وجدانه يشعر أنه مهم، وأن حياته ذاتقيمة، وأن أخطاءه قابلة للتصحيح لا سبباً للطرد أوالإهانة.
خامساً: حقوق الطفل في الروايات
تقدم الروايات رؤية عميقة لحقوق الطفل، لا تبدأ بعدولادته فقط، بل تبدأ من اختيار البيئة الأسرية التيسينشأ فيها. فقد ورد عن الإمام الصادق عليهالسلام: «تجب للولد على والده ثلاث خصال: اختيارهلوالدته، وتحسين اسمه، والمبالغة في تأديبه».
هذه الرواية تختصر ثلاثة أبعاد كبرى في التربية:
الأول: اختيار الأم الصالحة. وهذا يعني أن التربيةتبدأ من تكوين الأسرة ذاتها. فالأم ليست مجردطرف بيولوجي في حياة الطفل، بل هي مدرسةوجدانية وأخلاقية ومعرفية. صلاح الأم ووعيهاوحنانها وصبرها يترك أثراً عميقاً في بناء الطفل.
الثاني: تحسين الاسم. والاسم ليس مجرد لفظ، بلهو عنوان نفسي واجتماعي. حين يُعطى الطفلاسماً حسناً، وخصوصاً إذا ارتبط بأسماء الأنبياءوالأئمة والصالحين، فإنه يشعر بالكرامة والانتماءوالاعتزاز. تحسين الاسم يحمل معنى احترامشخصية الطفل ومنحه اعتباراً معنوياً منذ البداية.
الثالث: المبالغة في التأديب. والمقصود هنا ليسالقسوة ولا الضغط، بل العناية المستمرة بالتربيةوالتوجيه والتعليم. فالتأديب في معناه التربوي هوصناعة الأدب الداخلي، لا فرض السلوك بالخوف. وهو يحتاج إلى متابعة طويلة، وصبر، وحكمة، ودعممستمر، حتى يبلغ الطفل مرحلة القدرة على الوقوفعلى قدميه.
وهذا ينسجم مع ما ورد في الروايات من تقسيممراحل التربية، مثل ما روي عن الامام الصادق عليهالسلام: «دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدب سبعا،والزمه نفسك سبع سنين». فهذه الرؤية تراعيمراحل النمو، ولا تطالب الطفل الصغير بما يطلب منالشاب الناضج. فالطفل في سنواته الأولى يحتاجإلى اللعب والحركة والاكتشاف، ثم تأتي مرحلةالتعليم والتأديب المنظم، ثم مرحلة المصاحبة والحواروبناء الثقة.