د. عادل جوده. من العراق.
تطلّ علينا هذه القصيدة من أعالي التجربة الصوفية الحداثية، متوشّحة بعنوانٍ يحمل في جوهره استعارة قرآنية كبرى، حين قال موسى: “رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي”. من هذه الذروة الروحية ينطلق الريكاني ليبني عمارته الشعرية على ثنائية الحضور والغياب، التجلي والاحتجاب، في نصٍ يتنفس وجعًا مكتومًا ويبوح بأسراره عبر استعارات كونية تتراوح بين الغيمة والبئر والبركان.
تفتتح القصيدة بصورة الغيمة التي أخذتها الرياح، لكنها غيمة استثنائية تنسج من الدخان ثوبًا وهْميًا، في إشارة بليغة إلى هشاشة الذات الشاعرة وتماهيها مع السراب. هذا الثوب الدخاني ليس مجرد صورة جمالية، بل هو تجسيد لحالة الوجود الشعري ذاته؛ وجودٌ قوامه الخفة والتلاشي، يبيع للآخرين وجهًا لا يشبه حقيقته، في مفارقة وجودية تعكس ازدواجية النفس البشرية بين ظاهر مضلل وجوهر مخبوء. وتكتمل اللوحة بتلك البراءة المتقنّعة بزيّ الرهبان، حيث يلتقي المقدس بالمدنّس، والنقاء بالخداع، في صياغة تذكّرنا بأقنعة الوجود التي طالما شغلت الشعراء والمتصوفة.
ثم يأتي الغرق في الحسن حدّ الاختناق، في استعارة مكثفة تحيلنا إلى ذلك الزورق المثقوب الذي يترجم الأحزان. هنا تبلغ ثنائية الجمال والألم ذروتها؛ فالحسن ليس ملاذًا بل مهلكة، والزورق ليس سفينة نجاة بل شاهد على الغرق المحتوم. والانتقال بين مناجاة السماء والتجديف نحو الغفران يكشف عن جدلية روحية عميقة: السماء تمثل الاتصال العمودي المباشر، والتجديف يمثل الكفاح الأفقي المضني، وما بينهما تتأرجح الروح الشاعرة باحثة عن خلاصها المنشود.
تنتقل القصيدة بعد ذلك إلى أيقونة الناي، أقدم الآلات وأكثرها ارتباطًا بالنفَس الإلهي في الموروث الصوفي. ثقوب الناي التي لا تعزف دون رقص الأصابع تمثل استعارة بديعة لفعل الكتابة ذاته؛ فالشاعر كنايٍ مثقوب لا يصدر لحنه إلا بحركة الأصابع التي هي الكلمات، والأماني التي تخون تذكرنا بمأساة الإبداع حيث يخون اللفظُ المعنى في لحظة التجلي. وفي هذا السياق يأتي “الخيال” معيرًا قوله المكلوم، ليتنفس الصبح شهقة الأشجان، وكأن القصيدة تُكتب بدم الصباحات الكسيحة والأنقاض المتروكة التي تتحول مشاعرها إلى فوضى يشوبها الامتنان، في ديالكتيك عجيب بين الهدم والعرفان.
ثم يرتفع الخطاب ليبلغ عنان المخاطبة المباشرة للشعر ذاته: “قُلْ لِلشِّعْرِ سَلَامٌ يَا دَمِي”. إنه المقطع الأكثر كثافة وانفجارًا في النص، حيث يتماهى الشعر مع الدم، والدم مع الحبر، والحبر مع الحمم الذائبة في فوهة البركان. هذه الصورة البركانية تتجاوز الاستعارة التقليدية لتصبح تجسيدًا للعملية الإبداعية برمتها؛ الشعراء كائنات بركانية، يذوبون من الداخل، ولا يصدر عنهم إلا نخب الخمر الزائل، في إشارة إلى فنائية الإبداع وزواله رغم عظمة انبثاقه. وحيرة الذئب الضائع المُدان تجمع بين الافتراس والتيه والإدانة، لتشكل مركبًا استعاريًا عن الذات الشاعرة المأزومة بين غريزة البقاء وضراوة الفقد ومرارة الذنب.
يقترب النص من خاتمته بصورة الماء الذي يعجز عن ريّ براءة الذئب، فيعود موضوع البراءة الذي افتتحت به القصيدة، لكنه هنا براءة ملطخة بالدم، تسقط فلا تجد ما يطهرها. وفم البئر الذي يزداد خيبة ليغلق منافذ الزمان يشكل صورة سريالية مدهشة؛ البئر التي يفترض أن تكون مصدر الماء والحياة تتحول إلى فم يزداد عطشًا وانغلاقًا، في انقلاب دراماتيكي يعمق الإحساس بالمأساة.
ويأتي المقطع الختامي بصورة السهم الذي لم يكتمل خطاه، فدارت الصواعق بموتٍ ثانٍ. إنه سهم الوجود الذي أُطلق ولم يبلغ هدفه، ليصيب الموتُ فعلَ التسارع بالخطاب، وتكون الإجابة القاطعة: “إِنَّكَ لَنْ تَرَّانِي”. هنا تكتمل الدائرة ويعود العنوان ليصبح خاتمة، لكنه عودة مشحونة بكل ما تراكم في النص من غرق وزورق وناي وبركان وذئب وبئر وصواعق. “لن تراني” ليست مجرد جواب عن سؤال الرؤية، بل هي الحكم الوجودي النهائي؛ إنه احتجاب المعنى خلف الكلمات، واحتجاب الذات خلف الأقنعة، واحتجاب الحقيقة خلف الدخان.
وهكذا تنجح القصيدة في بناء عالمها الشعري عبر بنية دائرية محكمة، تبدأ من الغيمة/الدخان وتنتهي إلى الصاعقة/الموت، في رحلة كونية مكثفة تستعير مفردات الطبيعة الأربعة: الهواء (الغيمة، الرياح، الدخان)، والماء (الزورق، الغرق، البئر)، والنار (البركان، الصواعق)، والتراب (الأنقاض)، لتصوغ بها ملحمة داخلية عن العجز عن الرؤية والتجلي، وعن الشعر بوصفه محاولة مستحيلة لاختراق الحجب. إنها قصيدة تنضح بالشجن المكلوم وبحكمة العارف الذي أيقن أن الرؤية مؤجلة إلى أبد لا يأتي.
ـــــــــــــــــــــالنص ـــــــــــــــــــــــــ
إنَّكَ لَنْ تَرَّانِي …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كَغَيْمَةِ الصَّــيْفِ أخَذَتْهَا الهَوَى
بِنَسْـــجِ وَهْمِ ثَوْبٌ مِنَ الدُخَــانِ
تَبِيْعُ للِنَّـــاسِ وَجَهَاً لَا يُشْــبِهُهَا
تُخْفِي نَـوَالًا بِبَــرَّاءَةِ الرُّهْــبَانِ
غَرِّقْتُ بِحُسْـنِهَا حَدَّ الأخْــتِنَاقِ
كَزَّوْرِقٍ مَثْقُوْبٍ تُتَرّجِمُ أحْزَانِ
تاَرَّةً أنَـاجِي رِّحَـابَ السَّــــمَاءِ
بِأخْرّى أجَدِّفُ مَرَّاكِبَ غُفْرَّانِ
سَـــهْلُ الاخْتِيَـــارِ أيَّةُ وِجْــهَةٍ
يُلاقِي خَالِ الوِفَـاضِ بِوِجْــدَانِ
ثُقُوْبُ النَّـــــايْ لَا تَعْزِفُ دُوْنَهُ
رَّقْصِ الأصَـابِعِ تَخُوْنُ الأمانِي
أخَـيَالٌ أعَــارَّنِي قَوْلَهُ المَكْلُـوْمُ
بِصُبْحٍ يَتَنَفْـسُ شَّهْقَةُ الأشْــجَانِ
يَتْرُّكُ لِلأنْقَاضِ مَشَّــاعِرَّ فَـانِيَةً
وَفَوْضَى الحُبِ يَشُّوْبُهُ الإمْتِنَانِ
قُلْ لِلشِــــعْرِ سَـــلامٌ يَـــا دَمِيْ
فَأنْتَ المُـذَابُ بِفَوْهَةِ الـــبُرّكَانِ
سَـــأرّفَعُ نَخْبُ خَمْـرِكَ الزَّائِلٍ
بِحِــيْرَّةِ الذِئْبِ الضَّائِعِ المُــدَانِ
يَا لَيْتَ المَـاءَ يَرّوِي بَـــرَّاءَتَهُ
فَالسُـقُوْطُ وَالدَّمُ حُجَةُ الـبُرّهَانِ
وَفَمُ البِئْـرِ المُخَــاطِ زَادَهُ خَيْبَةً
ليَغْلَـــقَ المَنَـافِذُ أبْوَابَ الزَّمَانِ
كَأنْهُ سَــــهْمٌ لَــمْ يَكْتَمِلْ خُــطَاهُ
فَدَارَّتِ الصَّوَاعِقُ بِمَــوْتِ ثَـانِ
تَسَارَّعَ بِخِــطَابِ الكَيْفِ جُـرّأةً
جَـــاءَهُ الـــرَّدُ إنَّكَ لَـنْ تَــرَّانِي