كن شاهدا ..قصة لماري جيكتسيل

محمد عبد الحليم غنيم

كانت تُدعى الآنسة بيترا كراستينسكي، أو ببساطة الآنسة كراستي بيتر. لكنها كانت لطيفة في ذلك الوقت. كانت أول سيدة أعجبت بها رغم أنها لم تكن جميلةً حقًا، لكنني مع ذلك أحببتها. كان لديها شعرًا داكنًا، خشنًا، لامعًا يتطاير لأعلى، وفكٌ بارزٌ كفك كلبٍ مقاتل، مع بعض البثور الصغيرة عليه التي بدَتْ لطيفةً، لا أعرف لماذا. لم يكن صدرها كبيرًا، لكنه كان بارزًا كالمخروط، وكان يجعلك ترغب في لمسه – انظر، حتى الآن أرفع يدي عندما أتحدث عنه، حتى الآن أتذكر خطوط حمالة صدرها وكيف بدَتْ تلك الحمالات مُزخرفةً بالدانتيل.

 

وكان لديها ساقان جميلتان. في الطقس الدافئ، كانت تظهر ساقيها عاريتين. كانت المدرسة مبنية بالطوب الأحمر، ولم يكن هناك مكيف هواء، فقط مراوح صاخبة، وكان الهواء كثيفًا كالشراب. أثناء وقت القراءة، عندما كنا نجلس على الأرض وتقرأ لنا من كتاب، كانت ترفع كاحلها ببطء على ركبتها لتفصل بين ساقيها الملتصقتين، وإذا جلستَ في المكان المناسب، كان بإمكانك أن ترى سروالها الداخلي. أحد الكتب كان عن رجل مع كلابه في الغابة ليلًا في الشتاء، وكانوا محاطين بالذئاب؛ كانت هناك ذئبةٌ واحدة، خدعت الكلاب واحدًا تلو الآخر لتأتي وتلعب معهم ، ثم قتلتهم جميعًا بمساعدة الذئاب. كان كل ذلك يمتزج: سروالها الداخلي، وصوتها، وعيناها البنيتان، وهي ترفع نظرها إلى أعيننا كلما ذهب كلبٌ إلى الذئبة وهي تضرب بكفّيها الأرض. كنت أكره الكتب، لكنني أحببت الكتب عندما كانت تقرأها. وعندما كانت تمشي بين مقاعدنا لتتأكد أننا ننجز عملنا، كنت تشعر بجسدها الناعم وتشم رائحتها الشخصية. أحيانًا كانت تتوقف عند مقعدي وتضع يدها على كتفي. كانت يدها دافئة على قميصي، وأفكر في ساقيها وسروالها الداخلي. كانت تقول: “عمل جيد، مارك”، وتُبتسم لي.

أستطيع أن أقول إنها كانت تحبني.على الرغم من أنني كنت أقع في المشاكل كثيرًا. كنت متأخرًا دراسيًا، لذا كنت في التاسعة بينما كان الجميع في الثامنة، وكنت أكبر حجمًا أيضًا. مما يعني أنني كنت أستطيع ضربهم في الملعب، خاصة ذلك الطفل الصغير. اضطرت أن تعاقبني وترسلني إلى المدير. لكن حتى في تلك اللحظات، كنت أرى أنها تحبني وأن إرسالي كان يحزنها. أعتقد أنني حتى سمعتها تقول مرة: “أشعر بالأسف عليه حقًا”. لكنني لا أتذكر لمن قالتها. أو حتى إذا كانت تعنيني أنا. لكني أعتقد أنها كانت تعنيني.

لربما لم أكن لأتذكر أيًّا من هذا لولا ما حدث لاحقًا. عندما كنت في الثالثة عشرة وانتسبت إلى صفوف التربية الخاصة، أصبحت هي معلمتي مرة أخرى. كان ذلك مفاجأة سارة لأنها كانت في منطقة تعليمية مختلفة ونظام تعليمي مختلف، لذا لم أكن أتوقع رؤيتها. ولكنها كانت أيضًا مفاجأة سيئة لأنها أصبحت قاسية جدًا.

أخيرًا تم اختيار مويرا م. لتكون ضمن مجموعة المحلفين. كانت قد نجحت في تجنب واجب المحلفين حتى بلغت الخامسة والخمسين من عمرها. لم تشارك في التصويت حتى الواحدة والثلاثين، عندما استيقظت كما لو كانت في غفوة لتدرك أن الرئيس كان أحمق فاسدًا، وأن الشيء الوحيد الذي يمكنها فعله حيال ذلك هو التصويت. وهكذا صوتت، لكن ذلك لم يغير شيئًا؛ أعيد انتخاب الأحمق، وتم استدعاء مويرا لأداء واجب المحلفين. لم تكن تدرك أن هذا قد يكون نتيجة للتصويت، فاستشاطت غضبًا. أجلت أداء الواجب لأطول فترة ممكنة بحجج اعتلال صحتها وصعوبة العمل الحر (كانت تعمل كمصممة جرافيك مستقلة بالإضافة إلى عملها كنادلة)، لكن أخيرًا، بعد عامين من التصويت، لم تستطع التهرب من الأمر. أخبرها أحدهم أنه إذا بدَت غير مستقرة أو صعبة المراس بأي شكل، أو حتى عبّرت عن آراء غريبة، فقد يتم استبعادها مبكرًا. فصبغت شعرها وحواجبها باللون الأزرق، وأعلنت بصوت عالٍ اعتقادها بأنه يجب تقنين المخدرات، وقالت إن الناس يرتكبون الجرائم بسبب التحكم الذهني من قبل الحكومة، وزعمت أنها تعرضت للاضطهاد من قبل السود واللاتينيين. تم استبعادها بعد ثلاثة أيام، ولم تصوت مرة أخرى حتى أصبح شخص آخر تكرهه رئيسًا.

وهكذا، في الخامسة والخمسين، أدركها النظام. قال لها صديقها المقرب: “لماذا لا تنهي الأمر فحسب؟ ستؤديه ولن يتم استدعاؤك مرة أخرى لعشر سنوات أو ما شابه. قد يكون الأمر مثيرًا للاهتمام حتى!”

على الأقل، تم اختيارها في “هيئة المحلفين الكبرى”، مما يعني أنها لم تكن مضطرة للحضور يوميًا، لكنها كانت مجبرة على الاتصال كل صباح لمعرفة ما إذا كان عليها الحضور أم لا. في ذلك الوقت، لم يكن لديها هي وشريكها إدي سوى سيارة واحدة، وبينما كان بإمكانه أن يوصلها إلى عملها الجديد قبل الذهاب إلى عمله (كان يعمل بعقود، وكان مشروعه الحالي يبعده ساعة عن المنزل)، إلا أنه لم يستطع قطع الطريق كله إلى مقر المحكمة في مركز المقاطعة لإيصالها إلى ذلك المبنى الكئيب ثم يعود لاصطحابها مرة أخرى في المساء. لحسن الحظ، وجدت مويرا من يقلها مع محلفة أخرى.

في متجر البقالة، صادفت المرأة التي تدير منظمة خيرية للأطفال، والتي كانت مويرا قد شاركت معها في العام السابق (مشروع فني للأطفال في مخيم للمحرومين والمرضى نفسيًا)، واكتشفت أن ابنة أخت تلك المرأة قد تم استدعاؤها للواجب في نفس الوقت والمكان تمامًا. قالت السيدة الخيرية: “ستكون سعيدة بأن تقلك معها!” وقبلت مويرا — التي كانت تفضّل الاعتماد على نفسها عادةً — العرض بغير ارتياح.

في الواقع، جاءت ابنة الأخت اللطيفة (آنا) إلى منزل مويرا لاصطحابها؛ حتى أنها أحضرت القهوة والمعجنات لتتشاركها معها في السيارة. تحدثت مويرا مع آنا عن العمل الذي قامت به مع خالتها؛ تضمن المشروع عنصرًا مثاليًا يتمثل في جلب أطفال محرومين من المدينة لقضاء وقت مع أطفال محليين من ذوي الاضطرابات النفسية في نفس المعسكر. قالت مويرا: “لقد كان الأمر ساحرًا. لا أحظى بقضاء الكثير من الوقت مع الأطفال، ولم أدرك كم كنت بحاجة إلى ذلك.” ربما كان هذا القول غير صادق إلى حد ما، إذ وجدت مويرا التجربة مبهجة ومزعجة بنفس القدر، لكن ذلك لم يهم؛ لقد كانت طريقة للتواصل. كانت آنا عزباء، وعلى الرغم من أنها لم تقل ذلك صراحة، إلا أن مويرا تخيلت أنها تبحث عن زوج؛ فهي شابة جميلة في الثانية والثلاثين من عمرها، وكانت تعبّر بحرية عن رغبتها في تكوين أسرة.

كان الحوار بينهما خياليًا وحزينًا بينما كانتا تسيران بسرعة على الطريق الخلفي المتفرع من الطريق 30، متجاوزتين مطاعم مهجورة وحانات متداعية ومراكز لياقة مشبوهة. كان متجر ” كابينتس تو جو”، – حيث اشترت هي وزوجها السابق ذات يوم خزانة جميلة بأرفف وأدراج، كل منها مطلية بلون مختلف – ما زال يعمل في نفس الأرض الترابية، وخز منظره مويرا بأمل مفاجئ غريزي كان أشبه بذكرى أكثر منه شعورًا حقيقيًا. كانا قد اشتريا تلك الخزانة قبل ثلاثين عامًا تقريبًا عندما انتقلا إلى أول منزل يستأجرانه (بدلًا من شقة)، مليئين بخطط للشراء في النهاية. وقد اشتريا. وخسرا.

فقدا تانيا قبل أن تبلغ عامها الثاني؛ وجهها الصغير ذو الشفتين الدقيقتين، الذي كان يومًا ما حيًّا بوضوح في ذاكرة مويرا، أصبح الآن ضبابًا من الحلاوة والألم، لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، إلى درجة أن مويرا لم تعد قادرة على فصل ذكرى طفلتها عمّا جرى لها. كان عقلها ينحرف ببساطة مبتعدًا عن تلك البقعة… ثم التقت بإيدي في منزل السيدة بوتشي، وانهار زواجها تمامًا.على الأقل، بقي لها شيء من المال من بيع المنزل.

قد يعجبك ايضا