نوري جعفر… حين يتحول الفكر إلى مشروع لبناء الإنسان

محمد علي محيي الدين

ليست مهمة الكتب التي تتناول أعلام الفكر والثقافة أن تستعيد سيرهم الشخصية فحسب، وإنما أن تكشف عن القيمة الحقيقية لمشروعاتهم المعرفية، وأن تعيد تقديمها للأجيال الجديدة بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية للأمة. ومن هذا المنطلق يكتسب كتاب «نوري جعفر… جدل الفكر والإنسان» الذي أعده (الباحث نبيل عبد الأمير الربيعي) أهميته، إذ لا يكتفي بتوثيق حياة أحد أبرز المفكرين العراقيين، وإنما يضيء ملامح مشروع فكري ظل حاضرًا في ميادين التربية وعلم النفس والفلسفة، وأسهم في إثراء الثقافة العربية برؤية جمعت بين الأصالة والانفتاح على منجزات الفكر الإنساني.
اعتمد المؤلف على وثائق ومقالات وبحوث بقيت محفوظة في أرشيف الراحل، وقد أتاحت له ابنته، نجود نوري جعفر، الاطلاع عليها، الأمر الذي منح الكتاب قيمة توثيقية مضافة، إذ استطاع أن يقدم صورة متكاملة عن شخصية نوري جعفر العلمية والإنسانية، بعيدًا عن الأحكام الانطباعية أو القراءة المجتزأة. لكنه لم يقف عند حدود جمع المادة العلمية، بل سعى إلى قراءتها وتحليلها وربطها بالسياق الثقافي والفكري الذي نشأت فيه، فجاء الكتاب أقرب إلى دراسة نقدية منه إلى سيرة تقليدية.
يكشف الكتاب أن نوري جعفر لم يكن مفكرًا ينقل الأفكار أو يكرر ما أنتجته المدارس الفلسفية والنفسية الغربية، بل كان صاحب رؤية مستقلة، يتعامل مع النظريات بوصفها موضوعًا للنقاش والمراجعة، لا مسلمات نهائية. ولذلك نجد حضوره الفكري قائمًا على الحوار الدائم مع مختلف الاتجاهات، والإفادة منها في بناء تصور ينسجم مع حاجات المجتمع العربي، ويستجيب للتحولات التي يشهدها العصر. وقد منح هذا المنهج كتاباته طابعًا نقديًا جعلها تتجاوز حدود التلقي إلى المشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في تجربة نوري جعفر، كما يعرضها المؤلف، إيمانه العميق بأن التربية ليست مجرد عملية تعليمية، وإنما مشروع حضاري لبناء الإنسان. فالإنسان، في نظره، هو محور التنمية وغايتها، ولا يمكن تحقيق أي تقدم علمي أو اجتماعي ما لم يقترن بتربية حديثة تنمي العقل، وتحرر التفكير من الجمود، وتغرس روح البحث والاكتشاف. ولهذا انصرف اهتمامه إلى دراسة العلاقة بين التربية وعلم النفس والفلسفة، وعدّها منظومة متكاملة لا يمكن فصل عناصرها بعضها عن بعض.
ولا يقل أسلوبه في الكتابة أهمية عن أفكاره. فقد جمع بين دقة الباحث ورهافة الأديب، فاستطاع أن يقدم موضوعات شديدة التعقيد بلغة واضحة وأسلوب سلس، بعيدًا عن الغموض الذي لازم كثيرًا من الكتابات الفلسفية. وكان يرى أن قيمة المعرفة لا تكتمل إلا إذا أصبحت في متناول القارئ، ولذلك جاءت مؤلفاته أقرب إلى حوار فكري مفتوح منها إلى نصوص أكاديمية مغلقة، وهو ما أسهم في اتساع دائرة قرائه وتأثيره.

ويتوقف الكتاب عند رؤية نوري جعفر للإنسان بوصفه كيانًا متكاملًا، تتفاعل فيه الأبعاد العقلية والنفسية والاجتماعية والجسدية، وهي رؤية سبق بها كثيرًا من الدراسات العربية التي كانت تميل إلى تجزئة الإنسان وفصل جوانب شخصيته بعضها عن بعض. ومن هنا اتجه إلى الإفادة من علوم الدماغ والفسيولوجيا الحديثة، وربطها بدراسة السلوك والإبداع والتعلم، مؤكدًا أن فهم الإنسان لا يتحقق إلا من خلال تكامل العلوم، لا بعزلها داخل حدود تخصصية ضيقة.
كما يبرز المؤلف انفتاح نوري جعفر على المدارس الفكرية المختلفة، فلم يقف عند حدود الفلسفة الغربية التي درسها في الولايات المتحدة، بل وسع آفاقه بالاطلاع على التجارب الروسية والألمانية، كما أعاد قراءة التراث العربي الإسلامي بروح علمية، باحثًا عن الجوانب التي يمكن أن تسهم في بناء فكر تربوي معاصر. وكان يؤمن بأن الأصالة لا تعني الانغلاق، كما أن الحداثة لا تعني القطيعة مع التراث، وإنما تتحقق من خلال حوار خلاق بين الماضي والحاضر.
ويستعرض الكتاب أيضًا المسيرة العلمية الحافلة لصاحبها، منذ نشأته البسيطة في مدينة القرنة، وما واجهه من ظروف اقتصادية صعبة، وصولًا إلى تفوقه العلمي وابتعاثه إلى الولايات المتحدة لنيل الدكتوراه، ثم عودته إلى العراق أستاذًا في جامعة بغداد، قبل أن تمتد تجربته الأكاديمية إلى عدد من الجامعات العربية والعالمية. وهي مسيرة تؤكد أن الإرادة الصلبة والشغف بالعلم كانا وراء المكانة التي بلغها، وأن النجاح لا تصنعه الظروف الميسرة بقدر ما تصنعه العزيمة والإيمان بالرسالة.
ولا يغفل المؤلف الإشارة إلى التنوع الكبير في إنتاج نوري جعفر، الذي تجاوز الثلاثين كتابًا، وشمل التربية وعلم النفس والفلسفة والتاريخ والأدب وعلوم الدماغ، وهو تنوع يعكس شخصية موسوعية لم تر المعرفة جزرًا متباعدة، بل حقولًا متجاورة يكمل بعضها بعضًا. وقد ظل في جميع مؤلفاته وفيًا لفكرته الأساسية التي ترى أن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء المجتمع، وأن التربية القائمة على التفكير العلمي والنقدي هي السبيل إلى مواجهة تحديات العصر.
لقد نجح نبيل عبد الأمير الربيعي في أن يقدم أكثر من عرض لسيرة عالم عراقي بارز؛ فقد قدم قراءة واعية لمشروع فكري ما زال يحتفظ براهنيته، في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى تجديد الخطاب التربوي، وإحياء قيمة العقل، وربط المعرفة بحاجات المجتمع. كما نجح في إنصاف شخصية كان لها أثر عميق في الثقافة العراقية والعربية، لكنها لم تنل ما تستحقه من الدراسة والاهتمام.
إن كتاب «نوري جعفر… جدل الفكر والإنسان» ليس مجرد استذكار لماضٍ ثقافي، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف أحد العقول العراقية التي آمنت بأن العلم رسالة، وأن التربية مشروع حضاري، وأن الإنسان هو الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها كل فلسفة وكل معرفة. ولهذا يغدو الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية، وإسهامًا جديرًا بالقراءة لكل من يعنيه تاريخ الفكر العراقي، أو يسعى إلى التعرف على تجربة مفكر جمع بين عمق الرؤية ونبل الرسالة.

قد يعجبك ايضا