الناقدة ليلى صليبي // من لبنان
يقدّمُ الأديبُ” عدنان الريكاني
في نصِّه “سؤالٌ منحرفٌ” تجربةً شعريّةً كثيفةً تقومُ على مساءلةِ الواقعِ والذاتِ في آنٍ واحدٍ، حيث يتحوّلُ السؤالُ من أداةٍ للبحثِ عن جوابٍ إلى موقفٍ وجوديٍّ يزعزعُ الثوابتَ ويكشفُ هشاشةَ العالمِ.”فالانحرافُ” هنا ليس انحرافًا أخلاقيًّا، بل خروجٌ عن المساراتِ المألوفةِ، ورفضٌ للإجاباتِ الجاهزةِ، وانتصارٌ لحريةِ الرؤيةِ.
يُفتتحُ النصُّ بمشهدٍ سوداويٍّ يرسمُ فضاءً فقدَ توازنَه:
“كلُّ شيءٍ هنا فاسدٌ… حتى ذاك التقويم الأصفر…”
فلا يقتصرُ الفسادُ على الواقعِ المعيشِ، بل يمتدُّ إلى الزمنِ نفسِه. إنّ التقويمَ، وهو رمزُ انتظامِ الوقتِ وتعاقبُ الأيامِ، يتحوّلُ إلى كائنٍ أعمى يتخبّطُ في “فوهةِ التاريخِ”، وهي صورةٌ بالغةُ الكثافةِ، تجعلُ التاريخَ حفرةً مفتوحةً على الخرابِ، لا سجلًّا للإنجازاتِ. وهنا يغدو الزمنُ متّهمًا، لا شاهدًا.
يعتمدُ الشاعرُ على بناءٍ رمزيٍّ متشابكٍ، تتداخلُ فيه الصورُ دونَ روابطٍ منطقيةٍ مباشرةٍ، وفقَ تقنيةِ التداعي الحرِّ، فتتوالدُ المعاني عبرَ الإيحاءِ أكثرَ من السردِ. ولهذا يبدو النصُّ أقربَ إلى القصيدةِ الحداثيةِ التي تؤمنُ بأنَّ الصورةَ هي التي تُنتجُ الفكرةَ، لا العكس.
وفي قولِه:
“أحبُّ أن أعتلي عرشَ حكمةٍ…”
يستحضرُ الشاعرُ الحكمةَ على إنَّها خلاصٌ أخلاقيٌّ من عالمٍ تهيمنُ عليه السرقةُ والخداعُ. غيرَ أنّ هذه الحكمةَ ليستْ سلطةً، بل قيمةٌ روحيةٌ تعلو على مظاهرِ القوّةِ الزائفةِ.
أمّا عنوانُ النصِّ، “سؤالٌ منحرفٌ”، فهو المركزُ الدلاليُّ الذي تنتظمُ حولَه جميعُ الصورِ. فالسؤالُ المنحرفُ هو السؤالُ الذي يرفضُ أن يسيرَ في الطرقِ المعبّدةِ، ويقلقُ اليقينَ، ويقتحمُ المناطقَ المحرّمةَ. لذلك يشبّهُه الشاعرُ بصائدٍ يترصّدُ فرائسَه، لأنَّ الأسئلةَ الكبرى لا تمنحُ الطمأنينةَ، بل تجرّدُ الإنسانَ من أوهامِه.
ويتجلّى البعدُ النفسي للنصِّ في حضورِ مفرداتِ الخوفِ، والوجعِ، والعتابِ، والذئابِ، والخمرِ، وكلُّها تشكّلُ حقولًا دلاليةً تعبّرُ عن انكسارِ الإنسانِ أمامَ واقعٍ فقدَ معاييرَه. غيرَ أنّ الشاعرَ لا يستسلمُ لهذا الانكسار، بل يحوّله إلى طاقةٍ احتجاجيةٍ، فتغدو القصيدةُ فعلَ مقاومةٍ بالكلمةِ.
ومن أجملِ مقاطعِ النصِّ قولُه:
“حين تسقط الأسماء من بروجها
وتكون ذاكرة الوطن عقيمة…”
فهنا يبلغُ الخطابُ ذروتَه الرمزيةَ. إنَّ سقوطَ الأسماءِ يوحي بانهيارِ الرموزِ والقياداتِ والقيمِ التي كانتْ تستندُ إليها الجماعةُ، بينما تُشيرُ “ذاكرةُ الوطنِ العقيمةُ” إلى وطنٍ فقدَ قدرتَه على إنجابِ المعنى أو حفظِ ذاكرتِه الجمعيةِ، وهي صورةٌ تجمعُ بين الحسِّ الوطنيِّ والرؤيةِ الفلسفيةِ العميقةِ.
كما تتجلّى النزعةُ الرومانسيةُ الحديثةُ في المقطعِ الذي يخاطبُ فيه الآخر:
“تتمادى بعمق العناوين…
تتمرد فوق خصلات شعرك النبيل…”
فالمرأةُ هنا ليستْ شخصيةً محددّدةً، بل تتحوّلُ إلى رمزٍ للجمالِ والخلاصِ والإلهامِ، وإلى مساحةٍ يتقاطعُ فيها الحزنُ مع الرجاءِ. ولهذا تتجاورُ في النصِّ مفرداتُ الطبيعةِ: السنابل، والعصافير، والقمر، والبحر، مع مفرداتِ الألمِ والخرابِ، في توازنٍ يثري البنيةَ الجماليةَ.
ومن النّاحيةِ الأسلوبيةِ، يتكئُ النصُّ على الانزياحِ اللغويِّ، وكثافةِ الاستعارةِ، والمفارقةِ، والتضادِ، وتراكمِ الصورِ، وهي أدواتٌ تمنحُه طابعًا تأمليًّا لا يهدفُ إلى الوضوحِ المباشرِ، بل إلى إشراكِ القارئِ في إنتاجِ المعنى. كما يبتعدُ عن الإيقاعِ الخليلي، ليؤسّسَ موسيقاه الداخليةَ من خلالِ التكرارِ، وتجاورِ المفرداتِ، وإيقاعِ الجملِ القصيرةِ والمتلاحقةِ.
ورغمَ القيّمةِ الفنيّةِ للنصِّ، فإنَّ كثافةَ الصورِ أحيانًا تبلغُ حدَّ التشظي، بحيثُ تنتقلُ بعضُ المشاهدِ من صورةٍ إلى أخرى دونَ جسورٍ دلاليةٍ واضحةٍ، الأمرُ الذي يجعلُ القصيدةَ تطلبُ قارئًا يمتلكُ خبرةً في تلقي النصوصِ الحداثيةِ، وقادرًا على تفكيكِ رموزِها وتأويلِها.
ويأتي الختامُ:
“فأهيمُ بروحِ سؤالك المنحرف…
ولن أتوب!”
ليعلنَ انتصارَ الشاعرِ للسؤالِ الحرِّ، ولقلقِ المعرفةِ، ولرفضِ الامتثالِ. فعدمُ التّوبةِ هنا ليس تمرّدًا على قيمةٍ أخلاقيةَ، وإنّما إصرارٌ على البقاءِ في حالةِ بحثٍ دائمٍ، لأنَّ الحقيقةَ ـ في رؤيةِ الشاعرِ ـ لا تُمنحُ، بل تُلاحَقُ.
إنّ “سؤالٌ منحرفٌ” نصٌّ حداثيٌّ مشحونٌ بالفلسفةِ والرمزيةِ، يعبّرُ عن وعيٍ مأزومٍ بالواقعِ، ويحوّلُ اللغةَ إلى فضاءٍ للتأمّلِ والاحتجاجِ معًا. وهو نصٌّ لا يُقرأ مرةً واحدةً، بل يستدعي قراءاتٍ متعدّدةً، لأنَّ معانيه تتكشفُ تدريجيًّا كلما تعمّقَ القارئُ في طبقاتِه الرمزيةِ، مؤكّدًا قدرةَ الشاعرِ القديرِ “عدنان الريماوي على بناءِ قصيدةٍ تجعلُ السؤالَ نفسَه فعلًا من أفعالِ الحريةِ، وتمنحُ القلقَ الإنسانيَّ بعدًا جماليًّا وفكريًّا بالغَ الأثرِ.
دُمتُم منارةً للإبداعِ في فضاءِ الأدبِ، وعنوانًا للرقيّ والجمالِ.
لكم منّي خالصُ التقديرِ والاحترامِ.
ـــــــــــــــــــــــــــالنص ـــــــــــــــــــــــــ
سُـــــــؤالٌ مُنْحَرِّفْ ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَا تَتْرُكْ وَجْهُكَ العَابـِــــــسْ
كُلُ شَّيْءٍ هُنَا فَاسِــــدٌ ..
حَتَى ذَاكَ التقْوِيْمُ الأصْفَرُّ،
يَتَخَبْطُ كَالأعْمَى بِفَوْهَةِ التَأرِيْخ
وَيَرّجُمُ أحْفَادَهُ بِشَّهْقَةٍ سَنَوَاتٍ مَضَتْ
أحِبُ أنْ أعْتَلِيَّ عَرّشُ ..
حِكْمَةٍ لَنْ يَغُشَّنَا بِمِنَحِ سَـــــارِّقٍ
لَمْ يَسْكُنَ تَقَاسِـــيْمَ جُوْرِهِ ،
ذَاكَ الوَسْوَاسُ المُغَطَى بِالخَوْفِ
كَسُـــؤالٍ مُنْحَرِفْ، يَصْطَادُ فَرِيْسَتَهُ
تِلْكَ الزَّلَاتُ الجَاهِلَةَ تُرِيْدُ طَهَارَّةً
وَلَا يَهْرُّبَ مِثْلَ أسْـــــــئِلَةٍ الغَوَانِي ..!
لَمْ يَعُدْ تِلْكَ المَسَافَاتُ العَنِيْدَ تُشْبِهُنِي
بِعْدَمَا أنْهَكَ صَبْرُ الأوْجَاعِ ،
وَأغْلَقَ العِــتَابُ أبْوَابَ الأعْذَار
كَأنَ الخَمْرَلَا يَرّوِيْ عُرُوْقَ الذِئَابْ
وألغَى شَــــعَائِرَ رَّقْصَتَهِ المُسْـــتَعَارَّة
تَحْتَ ضَوْءِ القَمَرّ ..!!
تِلْكِ التَسَاؤلاتْ تتمَاهى بِعُمْقَ العَنَاوِيْن
تَرَّتَجِفُ دَاخِلَ سُــنْبُلَةٍ زَرَّقَــاءْ ..
تَحْمِلُ صُوَرَ العَصَافِيْرِ الكَاشِــــفَةَ ،
تَتَمَرَّدُ فَوْقَ خِصْلاتُ شَعْرَّك النَبِيْل
تَأوِيْ ألحَانُ الحُزْنِ بِعَيْنِ المَلائكَة
أعْشَقُ احْتِمَالاتَك المَليْئة حِيْنَ تُدَاهِمُنِي
كَصَهِيْلِ مَرَّافِيءُ البَحْرِ ..
حِيْنَ تَسْقُطُ الأسْـــمَاءُ مِنْ بِرُّوْجِهَا
وَتَكُوْنَ ذَاكِرَّةُ الوَطنِ عَقِيْمَة ،
فَأهِيْمُ بِرُّوَحِ سُــــؤالك المُنْحَرِّفْ
وَلَنْ أتُوْب ..!