م.م. سامر ضياء عبد الصاحب
يمثل النحت العراقي المعاصر أحد أبرز تجليات الفن التشكيلي، لما يحمله من امتداد حضاري عريق يعود إلى حضارات وادي الرافدين، فقد استلهم النحاتون العراقيون الإرث السومري والبابلي والآشوري، وأعادوا توظيفه في أعمال فنية حديثة تجمع بين الأصالة والابتكار، مما أسهم في ترسيخ هوية فنية مميزة للنحت العراقي على المستويين الاقليمي والعالمي.
شهد النحت العراقي خلال القرن العشرين نهضة فنية كبيرة، تزامنت مع تأسيس معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون الجميلة، وازدياد الاهتمام بالحركة التشكيلية. وقد تأثر الفنانون بالمدارس الفنية الحديثة في أوروبا، إلا أنهم حافظوا على خصوصية الفن العراقي من خلال استلهام الرموز التاريخية والأساطير والتراث الشعبي، فظهرت أعمال تجمع بين الواقعية والتعبيرية والرمزية، وتعكس قضايا الإنسان والمجتمع.
ومن أبرز سمات النحت العراقي المعاصر الاهتمام بالنصب التذكارية والتماثيل العامة، التي أصبحت جزءًا من المشهد الحضري في المدن العراقية، فضلاً عن استخدام خامات متنوعة كالبرونز والحجر والرخام، مع عناية واضحة ببناء الكتلة والعلاقة بين الشكل والفراغ. وقد أسهمت هذه السمات في منح النحت العراقي شخصية فنية مستقلة تجمع بين القوة التعبيرية والبعد الجمالي.
ويبرز في هذا المجال الفنان إسماعيل فتاح الترك، الذي عُرف بأعماله ذات البعد الإنساني والرمزي، واستطاع أن يجسد معاناة الإنسان وآماله في أعمال نحتية امتازت بالعمق الفكري والابتكار الفني. ويُعد نصب الشهيد في بغداد من أبرز أعماله، إذ أصبح رمزاً للتضحية والذاكرة الوطنية، ويُنظر إليه بوصفه أحد أهم منجزات النحت المعاصر.
كما يُعد خالد الرحال من الرواد الذين كان لهم أثر كبير في تطوير النحت العراقي، إذ تميز بإبداع النصب والتماثيل التي خلدت الشخصيات التاريخية والوطنية، وربطت الفن بالفضاء العام. وقد عكست أعماله اعتزازاً واضحاً بالحضارة العراقية، وأسهمت في تشكيل الهوية البصرية للمدن من خلال ما تميزت به من قوة في التكوين ودقة في التنفيذ.
ورغم ما واجهه العراق من تحديات سياسية واقتصادية، ظل النحت المعاصر حاضراً بوصفه وسيلة للتعبير عن الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية، واستمر الفنانون في تقديم أعمال تؤكد قدرة الفن على حفظ التراث ومواكبة التحولات الثقافية والاجتماعية.
وفي الختام، يمثل النحت العراقي المعاصر تجربة فنية رائدة استطاعت أن تمزج بين الإرث الحضاري والرؤية الحديثة، وكان لإسماعيل فتاح الترك وخالد الرحال دور أساسي في ترسيخ مكانته وتطوير أساليبه، ولا تزال أعمالهما تمثل شاهداً على إبداع الفنان العراقي، ومصدراً للإلهام للأجيال الجديدة من النحاتين والباحثين في الفن التشكيلي.