عرفان الداوودي
العراق بلدٌ نصَّ دستوره على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، وأنه مصدرٌ أساسٌ للتشريع، ولذلك فإن المواطن يتطلع إلى أن تنعكس قيم الإسلام السامية في مؤسسات الدولة، من عدالةٍ وأمانةٍ ونزاهةٍ وصيانةٍ للمال العام، لأن قوة الدول لا تُقاس بالشعارات، بل بمدى احترامها للقانون وحماية حقوق مواطنيها.
إن الفساد المالي والإداري، أينما وجد، يُعد من أخطر الآفات التي تهدد مستقبل الأوطان، لأنه يهدر ثروات الشعوب، ويُضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويُعطّل التنمية، ويزيد من معاناة الفقراء والمحتاجين، ويكرّس الظلم وعدم تكافؤ الفرص.
وقد حذَّر القرآن الكريم من الفساد تحذيراً شديداً، فقال تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].
كما نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل، فقال:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
وقال عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
وفي السنة النبوية الشريفة، قال رسول الله ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهو حديث يحمّل كل صاحب مسؤولية واجبه أمام الله والناس.
وقال ﷺ:
«من غشَّنا فليس منا»، والغش لا يقتصر على البيع والشراء، بل يشمل كل صور الخداع واستغلال المنصب والتلاعب بالأمانة العامة.
إن كثرة الحديث عن انتشار الفساد في مؤسسات الدولة تفرض على الجميع، من مسؤولين ورجال دين وسياسيين وموظفين ومواطنين، أن يكونوا جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة. فلا أحد فوق القانون، ولا يجوز استغلال المناصب أو النفوذ أو المكانة الدينية أو السياسية للاستيلاء على المال العام أو العقارات أو الأراضي أو أي حق من حقوق الدولة والمواطنين.
كما أن الأموال العامة، ومنها الأموال التي تُصرف على الانتخابات أو غيرها، هي أموال الشعب، ويجب أن تُدار وفق القانون وبأعلى درجات الشفافية والرقابة، وأن يكون الهدف منها خدمة الوطن واختيار الكفاءات النزيهة، لا أن تكون وسيلة للوصول إلى المناصب أو تحقيق المصالح الشخصية والحزبية.
ومن هنا، فإن مسؤولية مكافحة الفساد لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تشمل جميع المؤسسات الرقابية والتشريعية والقضائية. ويأمل المواطن العراقي أن تؤدي لجنة النزاهة البرلمانية دورها الرقابي بكل استقلالية وشفافية، وأن تكون نموذجاً للنزاهة والحياد، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. فإذا وُجدت شبهات فساد بحق أي مسؤول، مهما كان موقعه، فإن الواجب يقتضي إخضاعه للتحقيق وفق القانون، فلا حصانة لفاسد، ولا مجاملة على حساب المال العام، امتثالاً لقوله تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24].
ومن المؤلم أن المواطن بات يتساءل: من يراقب الجهات الرقابية نفسها؟ فإذا كانت مهمة لجنة النزاهة البرلمانية هي كشف الفساد ومحاسبة الفاسدين، فإنها مطالبة قبل غيرها بأن تكون مثالاً للنزاهة والشفافية والاستقلالية. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمواقف والإجراءات العملية، وبالالتزام الصادق بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وإذا ثبت قانوناً وجود فساد أو استغلال للمنصب من أي مسؤول، سواء كان نائباً أو وزيراً أو موظفاً أو منتمياً إلى أي مؤسسة، فإن الواجب الشرعي والقانوني يقتضي محاسبته دون تمييز، امتثالاً لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135].
وقال رسول الله ﷺ:
«إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».
إن بناء دولة العدل يبدأ من احترام القانون، وصيانة المال العام، ومحاسبة كل من يثبت فساده دون تمييز أو محاباة. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالخطب والشعارات، بل بإرادة صادقة، وقضاء مستقل، ورقابة نزيهة، ومؤسسات قوية تطبق القانون على الجميع، حتى يستعيد المواطن ثقته بدولته، ويترسخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، وأن الأمانة مسؤولية، والفساد جريمة، والعدل أساس الحكم .