الدكتور محمد طه الهدلوش
يمثل خطاب الكراهية والتطرف أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، إذ لم يعد مقتصراً على النزاعات السياسية أو الخلافات الفكرية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تتسلل إلى الحياة اليومية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والخطابات الشعبوية، فتؤثر في منظومة القيم والعلاقات الإنسانية، وتؤدي إلى تكريس الانقسام وإضعاف الثقة بين مكونات المجتمع. وفي المجتمعات التي ما تزال العشيرة فيها تشكل ركناً مهماً من البناء الاجتماعي، يبرز شيوخ العشائر بوصفهم فاعلين اجتماعيين يمتلكون رصيداً من المكانة والقبول والقدرة على التأثير في الرأي العام المحلي، الأمر الذي يجعلهم شركاء أساسيين في جهود مواجهة خطاب الكراهية والحد من انتشار الفكر المتطرف.
إن الشيخ العشائري لم يعد يؤدي دوراً تقليدياً يقتصر على حل النزاعات أو إدارة شؤون العشيرة، بل أصبح مطالباً بأداء وظيفة مجتمعية أكثر اتساعاً ترتبط بحماية السلم الأهلي، وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل، وإشاعة قيم التسامح والتعايش. فالكلمة التي تصدر عن شيخ العشيرة تمتلك في كثير من الأحيان أثراً يتجاوز أثر الخطابات الرسمية، لأنها تنطلق من علاقة مباشرة مع أفراد المجتمع، وتستند إلى الثقة المتراكمة عبر الأجيال، وهو ما يمنحها قوة معنوية كبيرة في تصحيح المفاهيم الخاطئة واحتواء حالات الاحتقان.
ويعد نشر ثقافة الحوار من أهم الوسائل التي يمكن لشيوخ العشائر توظيفها في مواجهة خطاب الكراهية، إذ إن المجتمعات التي تعتاد على الحوار تقل فيها فرص اللجوء إلى العنف اللفظي أو الجسدي. كما يؤدي شيوخ العشائر دوراً محورياً في الحد من خطابات الثأر والانتقام، ويسهمون في إعادة بناء الثقة بين المتخاصمين، ونشر قيم العفو والتسامح، ومنع انتقال الخصومات إلى الأجيال اللاحقة.
وتزداد أهمية هذا الدور في المجتمعات التي تعرضت للحروب أو الإرهاب أو النزوح، إذ يستطيع شيخ العشيرة أن يكون جسراً لإعادة بناء العلاقات الاجتماعية، من خلال الدعوة إلى التسامح، ورفض التعميم، والتأكيد على أن المسؤولية فردية ولا يجوز تحميلها لجماعة بأكملها.
كما يسهم شيوخ العشائر في حماية النسيج الوطني من محاولات الاستقطاب الطائفي أو القومي أو الديني، ويستطيعون من خلال المجالس العشائرية والمناسبات الاجتماعية غرس قيم المواطنة وقبول الآخر. وفي العصر الرقمي أصبح من الضروري أن يمتد هذا الدور إلى وسائل التواصل الاجتماعي، عبر نشر رسائل إيجابية والتصدي للشائعات وخطابات التحريض.
ويمثل التعاون بين شيوخ العشائر والمؤسسات الدينية المعتدلة، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، والأجهزة الحكومية، أحد أهم مرتكزات بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التطرف. كما يمكن إعداد مواثيق شرف عذشائرية ترفض خطاب الكراهية والتحريض وتؤكد احترام كرامة الإنسان وسيادة القانون.
وفي ضوء التحولات المتسارعة، لم يعد دور شيخ العشيرة يقاس بعدد النزاعات التي يحلها فحسب، بل بقدرته على صناعة بيئة اجتماعية آمنة قائمة على الحوار والاحترام والتسامح، وبذلك تتحول الزعامة العشائرية إلى قوة مجتمعية فاعلة في حماية الوحدة الوطنية وتعزيز السلم الأهلي ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف.