حامد الهيتي… المبدع الذي اختصر الفنون في إنسان

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست قيمة المبدع بما ينجزه في حقل واحد، بل بقدرته على تحويل حياته إلى مشروع ثقافي متكامل، تتجاور فيه الفنون وتتداخل لتصنع شخصية استثنائية يصعب تكرارها. ومن بين القامات التي أنجبتها مدينة الحلة، يبرز الراحل حامد الهيتي بوصفه واحداً من أكثر المبدعين العراقيين تنوعاً وغنىً، فهو الشاعر، والقاص، والروائي، والناقد، والفنان التشكيلي، والخطاط، ومصمم الديكور المسرحي، ورسام الكاريكاتير، بل وحتى الرياضي الذي عرفه أبناء جيله بطلاً في كمال الأجسام. لقد كان، بحق، مؤسسة ثقافية تمشي على قدمين.
لم يكن الهيتي ممن اكتفوا بإجادة فن واحد، وإنما آمن بأن الثقافة نسيج واحد، وأن الإبداع الحقيقي يتجاوز الحدود الفاصلة بين الكلمة واللون، وبين اللوحة والمسرح، وبين الحرف والخط، فكانت تجربته شاهدة على هذا الإيمان العميق. لقد استطاع أن يمنح القصة القصيرة العراقية صوتاً مميزاً منذ سبعينيات القرن الماضي، وأن يقدم للمسرح العراقي نصوصاً وإعدادات درامية استلهمت التراث الإنساني، لكنها اكتسبت هوية عراقية أصيلة.

وفي الفن التشكيلي، امتلك الهيتي رؤية خاصة، فلم يكن الرسم عنده مجرد مهارة تقنية، بل كان لغة موازية للكتابة، تحمل ذات الهموم والأسئلة. كما ترك بصمة واضحة في تصميم أغلفة الكتب، التي أصبحت لدى كثير من الأدباء جزءاً من هوية أعمالهم الإبداعية، فضلاً عن إبداعه في تصميم الديكور المسرحي، والخط العربي، والرسم الكاريكاتيري الذي امتاز بذكائه وسخريته اللاذعة.

أما في النقد، فقد كان يمتلك عيناً خبيرة، تقرأ العمل الفني بوعي ثقافي وجمالي، بعيدًاً عن المجاملة أو الانطباعية، فنشرت له دراسات وبحوث في كبريات المجلات الثقافية العراقية والعربية، وأسهم في تقديم قراءات جادة لمنجزات عدد كبير من الفنانين والأدباء العراقيين، مؤكداً أن النقد فعل إبداعي لا يقل أهمية عن الإنتاج الفني نفسه.
وكانت شخصية حامد الهيتي الإنسانية لا تقل ثراءً عن شخصيته الإبداعية. فقد عرف بتواضعه، وروحه المرحة، وحضوره المحبب في المقاهي الثقافية التي كانت تمثل آنذاك منتديات للفكر والأدب في مدينة الحلة، حيث كان يروي النكتة كما يكتب القصة، ويصنع البهجة كما يصنع اللوحة، مؤمناً بأن الإبداع لا ينفصل عن الإنسان.
وبرغم هذا العطاء الواسع، عاش الهيتي سنواته الأخيرة في عزلة فرضها المرض، بعيدًا عن التكريم الذي يستحقه. وهي مفارقة طالما رافقت الكثير من المبدعين العراقيين، إذ غالباً ما يأتي الاعتراف بعد الرحيل، وكأن الثقافة في العراق اعتادت أن تودع أبناءها بالكلمات بعد أن تبخل عليهم بالتقدير في حياتهم.
لقد كان حامد الهيتي واحدًاً من مؤسسي الحركة التشكيلية في محافظة بابل، وأسهم في تأسيس نقابة الفنانين العراقيين فرع بابل، وشارك في معارض فنية ومهرجانات ثقافية عديدة، ونال جوائز في الأدب والفن، إلا أن كل تلك الإنجازات لا تختزل قيمته الحقيقية، لأن أثره الأكبر بقي في الأجيال التي تعلمت منه معنى أن يكون المثقف مشروعاً إنسانياً شاملاً.
إن الحديث عن حامد الهيتي ليس استذكاراً لسيرة شخصية فحسب، بل هو استعادة لمرحلة زاخرة من تاريخ الثقافة العراقية، كان فيها المبدع يعيش للفن قبل أن يعيش منه، ويمنح وطنه كل ما يملك من موهبة، دون انتظار مقابل.
سيبقى اسم حامد الهيتي مضيئاً في ذاكرة الحلة والعراق، ليس لأنه جمع بين الشعر والقصة والرسم والخط والنقد والمسرح، بل لأنه جمع بينها جميعاً بروح إنسانية نادرة، فجعل من الإبداع رسالة حياة، ومن الثقافة وطناً لا تغيب شمسه. وإن الوفاء الحقيقي لهذه القامة البابلية الشامخة لا يكون بالرثاء وحده، وإنما بإعادة قراءة منجزه، وجمع آثاره، وتعريف الأجيال الجديدة بما قدمه من إسهامات تركت أثراً راسخاً في المشهد الثقافي العراقي. فهو واحد من أولئك الذين يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون بما أودعوه في الذاكرة الوطنية من جمال وإبداع، لتظل سيرتهم شاهداً على أن الأمم التي تحفظ أسماء مبدعيها، إنما تحفظ جزءًا من هويتها وحضارتها.

قد يعجبك ايضا