كتابة و اعداد/ دلزار اسماعيل رسول
تتحول المستديرة الساحرة كل أربع سنوات إلى مسرح كوني، لا تُعرض فيه المهارات البدنية فحسب، بل تُرفع فوق منصاته هويات الشعوب، وتُعزف تحت قبة سمائه الأناشيد الوطنية التي تختزل تاريخ الأمم وجغرافيتها. وفي غمرة هذا المحفل العالمي، كثيراً ما تتجه أنظارنا نحو شاشات التلفاز، لا لتشجيع اللعبة الجميلة فحسب، بل للبحث عن “ذواتنا” بين الألوان والرايات، وهنا يبرز سؤال يفيض بالغبن التاريخي ويتحرك في وجدان كل كوردي: إذا كانت جزر صغيرة لا يتعدى سكانها بضع آلاف تملك مكاناً تحت شمس المونديال، فلماذا يغيب شعب الملايين عن هذا المحفل؟
لقد أثار انتباهي، كما أثار انتباه الكثيرين، حضور منتخبات لافتة مثل منتخب “كوراساو” تلك الجزيرة الكاريبية الصغيرة المرتبطة بالتاج الهولندي، والتي يبلغ تعداد سكانها قرابة 150 ألف نسمة فقط. ورغم هذه الديموغرافيا المحدودة للغاية، فإنها تمتلك اتحاداً معترفاً به من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، وتخوض تصفيات كأس العالم بكامل أهليتها وسيادتها الرياضية، بل وتنافس بقوة بفضل استقطاب مواهبها المهاجرة في أوروبا.
إن هذه المفارقة الصارخة تدفعنا فوراً إلى عقد مقارنة واضحة وعميقة؛ المقارنة بين جزر صغيرة تمتلك صوتاً دولياً، وشعب عريق يمتلك الملايين والمواهب الفذة ولكن تنقصه المظلة الرسمية. فبينما تحظى جزيرة كوراساو، بنفوسها المحدودة التي لا تتجاوز الـ 150 ألفاً، بوضع رياضي وقانوني كامل يمنحها العضوية الرسمية في “الفيفا” والقدرة على الاعتماد على المدارس الكروية الهولندية لتطوير لاعبيها، نجد في المقابل الأمة الكوردية التي يمتد وجودها البشري عبر أجزاء كوردستان الأربعة وفي شتات الأرض ليتجاوز الـ 40 مليون نسمة. كوردستان التي تمتلك طاقات بشرية هائلة وشغفاً جارفاً، وتعتمد على مواهبها المحلية الفذة في الشرق الأوسط ومحترفيها في الدوريات الأوروبية الكبرى، تفتقر حتى الآن إلى ذلك الاعتراف الرسمي الذي يمنحها حق اللعب الودي والمنهجي تحت راية دولية.
أمام هذا المشهد، يتسلل الإحساس بالمرارة إلى قلوبنا ككورد، فنحن نتحدث عن أمة حية تملك إرثاً، وتاريخاً، وثقافة، وتقدم للعالم يومياً مواهب كروية فذة يشار إليها بالبنان في كبرى الدوريات الأوروبية والعالمية، ومع ذلك، يبقى “منتخب كوردستان” حبراً على ورق المنافسات غير الرسمية، محروماً من عزف نشيده “أي رقيب” في المحافل العالمية الرسمية.
إن التدقيق في خريطة الكرة العالمية يكشف أن الأقدام الكوردية ترسم لوحات إبداعية في الملاعب العالمية، لكن تحت رايات دول أخرى. من منا لا يعرف النجم دنيز أونداف المهاجم المتألق في الدوري الألماني والمنتخب الألماني الأول، أو محمود داوود الذي جال في ملاعب الدوري الإنجليزي الممتاز؟ ولا يمكن غض الطرف عن الجواهر الشابة والناشئين في كبرى الأكاديميات العالمية؛ مثل نوح درويش النجم الشاب الذي يحمل لواء الإبداع في الفئات السنية لنادي برشلونة الإسباني، والموهبة الواعدة جيلوان حمد الذي مثل الأندية السويدية والأوروبية، واللاعب الشاب شيركو كريم الذي خاض تجارب احترافية في أوروبا، بالإضافة إلى لاعبين شباب صاعدين في الملاعب الهولندية والألمانية والبريطانية مثل سوران قره داغي وإبراهيم بايش (ذو الأصول الكوردية المتألقة محلياً وإقليمياً)، والمدافع الصلب سيبان أوزان، و آكام هاشم لاعب المنتخب العراقي والعديد من الأسماء الناشئة في دوريات الفئات العمرية في السويد وألمانيا والذين يثبتون يوماً بعد آخر أن الجينات الكوردية ولّادة للموهبة والتميز الرياضي، ناهيك عن النجوم المحليين في أندية أربيل ودهوك وسليمانية وزاخو.
لو أتيحت الفرصة لجمع هذا الشتات الكروي من النجوم الكبار والناشئين الواعدين تحت مظلة رسمية واحدة، لَمَا كان طموح كوردستان مجرد “المشاركة” في كأس العالم، بل للمنافسة الشرسة والوصول إلى أدوار متقدمة.
إن غياب كوردستان عن كأس العالم ليس عيباً في كفاءتها الرياضية، ولا شحاً في طاقاتها البشرية، بل هو انعكاس لمعادلات سياسية دولية معقدة تحكم أروقة الرياضة العالمية وتجعل “الاعتراف القانوني” شرطاً يسبق الموهبة.
لكن التاريخ يعلمنا أن كرة القدم كانت دائماً أداة للتحرر وإثبات الوجود، والشعوب لا تموت أحلامها بقرار أو برفض إداري. سيبقى الحلم الكوردي حياً، ينبض مع كل هدف يسجله لاعب كوردني في ملاعب العالم، ومع كل هتاف في ملاعب أربيل والقامشلي وديار بكر وسنندج. وسيأتي اليوم الذي تلتفت فيه الفيفا لتدرك أن إقصاء أمة بأكملها يضم ملايين العشاق للعبة هو انتقاص من شمولية “كأس العالم” ذاتها. وحتى ذلك الحين، سنظل نرقب الأفق، مؤمنين بأن الحلم سيتحقق، وأن شمس كوردستان ستشرق يوماً على الملاعب المونديالية….فيا ترى هل يتحقق الحلم ؟!…