زهير الجزائري… سيرةُ وطنٍ يمشي على حافة الأسئلة

محمد علي محيي الدين

يبدو الكاتب والصحفي العراقي زهير الجزائري واحدًا من أولئك المثقفين الذين لم يختاروا الكتابة مهنةً فحسب، بل قدَرًا وجوديًا ثقيلاً. فمنذ بداياته المبكرة، لم يكن ينظر إلى الأدب والصحافة بوصفهما عالمين منفصلين، بل باعتبارهما نافذتين لفهم العراق، ذلك البلد الذي لم يتوقف يومًا عن التحول والاضطراب والانكسار. ولهذا ظلّ مشروعه الثقافي أقرب إلى محاولة طويلة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على روحه وسط كل هذا الخراب؟

وُلد في مدينة النجف عام 1943، المدينة التي تمتزج فيها القداسة بالتاريخ والأسئلة الفكرية العميقة، فكانت بيئته الأولى مشبعة بالتناقضات التي ستنعكس لاحقًا في كتاباته. نشأ في بيت يحتفظ بتوازن خاص بين الثقافة المدنية والروح الدينية؛ أبٌ هادئ ذو نزعة علمانية لكنه محتفظ بجذوره الدينية، ومكتبة تختلط فيها الكتب الفكرية بالنصوص التراثية، وأمّ ذات شخصية قوية وحادة الانفعال. أما أخواله الشيوعيون فقد تركوا أثرًا بالغًا في وعيه المبكر، إذ عاش بينهم أجواء النشاط اليساري الذي كان حاضرًا بقوة في النجف آنذاك، حتى بدا وكأن المدينة نفسها تجمع بين الطقوس الدينية والأحلام الثورية في مشهد واحد.

ومن تلك البيئة تشكل خياله الروائي الأول. فقد كانت المجالس الحسينية، وقراءات الشعر العمودي، والسرد الديني المفعم بالمأساة والبطولة، تشعل خيال الطفل الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من أبرز الأصوات السردية العراقية. لقد أدرك مبكرًا أن الحكاية ليست مجرد تسلية، بل وسيلة لفهم الإنسان ومصيره، ولذلك جاءت كتاباته مشبعة بروح التأمل والأسئلة الوجودية والبحث عن المعنى وسط الفوضى.

درس الأدب الألماني في جامعة بغداد، ثم نال شهادة أخرى في اللغة الإنجليزية من جامعة كامبردج، وهي تجربة فتحت أمامه أبواب الثقافة العالمية وعمّقت رؤيته النقدية. لكنه، مثل كثير من مثقفي العراق، عاش تجربة المنفى القاسي، فابتعد عن وطنه أربعةً وعشرين عامًا قضاها متنقلًا بين العواصم والميادين والحروب، يحمل العراق معه أينما ذهب، حتى تحولت الغربة لديه إلى حالة داخلية دائمة، لا مجرد ابتعاد جغرافي.

في عام 1974 كتب روايته الأولى “المغارة والسهل”، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها داخل العراق، متناولًا فيها أحداث المقاومة الفلسطينية في عمّان وصدامها مع الجيش الأردني. ومنذ تلك اللحظة، بدا واضحًا أن زهير الجزائري لا يكتب عن الوقائع بوصفها أحداثًا سياسية عابرة، بل باعتبارها اختبارات كبرى للإنسان في مواجهة الخوف والقمع والمنفى والموت.

أكثر من خمسين عامًا أمضاها في الصحافة، كان خلالها صحفيًا ميدانيًا من الطراز النادر، يذهب إلى قلب الحدث لا إلى هوامشه. غطّى تسع حروب في الشرق الأوسط وأفريقيا، وشاهد بأمّ عينيه كيف يتحول العنف إلى لغة يومية، وكيف تتآكل أرواح البشر تحت وطأة الخوف والاستبداد. هذه التجارب الثقيلة لم تصنع منه مراسلًا تقليديًا، بل شاهدًا على العصر، لذلك جاءت كتاباته الصحفية مشبعة بحسّ روائي عميق، فيما بدت رواياته وكأنها شهادات حيّة على زمن عربي مثقل بالهزائم.

ينتمي زهير الجزائري إلى جيل عراقي عاش التحولات الكبرى بكل قسوتها؛ من أحلام القومية واليسار في منتصف القرن العشرين، إلى صعود الدولة الأمنية، ثم الحروب الطويلة، فسنوات الحصار، وصولًا إلى الانهيار السياسي والاجتماعي بعد عام 2003. ولهذا كانت أعماله تميل دائمًا إلى تأمل الخراب العراقي، ونقد السلطة بكل تجلياتها، ومحاولة فهم الكيفية التي يتحول بها القمع السياسي إلى جزء من تكوين الإنسان نفسه.

في رواياته مثل “حافة القيامة”، و”الخائف والمخيف”، و”حرب العاجز: سيرة عائد، سيرة بلد”، لا نجد شخصيات منفصلة عن الواقع، بل أرواحًا عراقية مسحوقة تحاول النجاة من زمنٍ لا يرحم. أما كتبه الأخرى مثل “المستبد: صناعة قائد – صناعة شعب” و”النجف: الذاكرة والمدينة” فقد كشفت عن عقل نقدي يحاول تفكيك بنية الاستبداد والذاكرة الجمعية معًا.

إن ما يميز زهير الجزائري ليس فقط تنوع تجربته بين الرواية والصحافة والدراسة الفكرية، بل قدرته على تحويل المعاناة العراقية إلى نصوص تمتلك بعدًا إنسانيًا واسعًا. فهو لا يكتب عن العراق باعتباره مكانًا جغرافيًا فحسب، بل باعتباره جرحًا مفتوحًا في الوعي، ومرآةً لأسئلة الإنسان العربي في الخوف والحرية والمنفى والهوية.

لقد ظل طوال مسيرته مثقفًا قلقًا، يحمل أسئلته معه أينما ذهب، ويكتب بعين الصحفي الذي رأى الحروب، وقلب الروائي الذي يعرف أن الخراب الحقيقي لا يقع على المدن فقط، بل داخل البشر أيضًا. ولذلك بقي اسمه حاضرًا بوصفه واحدًا من الأصوات العراقية التي لم تكتفِ بوصف المأساة، بل حاولت فهمها، ومقاومتها بالكلمة والذاكرة والسرد.

قد يعجبك ايضا