باسل كامل دلالي… سيرةُ عالمٍ حملَ المعرفةَ من بغداد إلى آفاقِ العالم

محمد علي محيي الدين

في أزقة بغداد القديمة، وُلد الدكتور باسل كامل دلالي عام 1942، ليبدأ رحلةً علميةً امتدت بين الوطن والعالم، وظلّ فيها وفياً للمعرفة ولرسالة التعليم والبحث. نشأ في العاصمة العراقية وأكمل فيها مراحله الدراسية الأولى حتى أنهى الدراسة الثانوية عام 1959، ثم اتجه بشغفٍ واضح نحو العلوم الزراعية فالتحق بكلية الزراعة في جامعة بغداد، حيث تخرّج عام 1963 حاملاً شهادة البكالوريوس، ومؤشراً مبكراً على شخصية أكاديمية طموحة لا تكتفي بحدود التعلّم التقليدي.

لم يكن طموحه ليسمح له بالتوقف عند هذا الحد، فسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية مواصلاً رحلته مع العلم، وهناك التحق بجامعة داكوتا الجنوبية التي نال منها شهادة الماجستير في العلوم الزراعية عام 1967، قبل أن ينتقل إلى جامعة نبراسكا ليحصل على الدكتوراه عام 1970، في مرحلةٍ شكّلت انعطافة مهمة في مسيرته العلمية ورسّخت حضوره الأكاديمي المتخصص.

عاد إلى العراق حاملاً خبرة علمية رصينة ورؤيةً أكاديمية متقدمة، فعمل مدرساً في كلية الزراعة بجامعة بغداد، ثم انتقل إلى جامعة الموصل عام 1971، وهناك بدأ حضوره العلمي والإداري يزداد اتساعاً وتأثيراً. تدرّج في الألقاب العلمية حتى أصبح أستاذاً مساعداً عام 1974، ثم نال مرتبة الأستاذية عام 1980، ليكون واحداً من أبرز الأسماء العراقية في مجالات الصناعات الغذائية والكيمياء الحيوية.

لم تقتصر مساهماته على التدريس والبحث، بل امتدت إلى الإدارة الأكاديمية وصناعة القرار العلمي؛ إذ تولّى إدارة مركز البحوث التطبيقية في جامعة الموصل، ثم رئاسة قسم الصناعات الغذائية، قبل أن يُكلّف بعمادة كلية الزراعة والغابات في الجامعة نفسها لسنوات طويلة ترك خلالها أثراً بارزاً في تطوير التعليم الزراعي والبحث العلمي. وفي عام 1996، عُيّن وكيلاً أقدم لوزارة الزراعة، في خطوة عكست مكانته العلمية والإدارية المرموقة، كما اختير عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي تقديراً لعطائه الفكري والأكاديمي.

وكان الدكتور باسل دلالي حاضراً في المحافل العلمية العربية والعالمية، مشاركاً في عشرات المؤتمرات والندوات التي ناقشت قضايا الغذاء والتكنولوجيا الحيوية والكيمياء الحيوية، فضلاً عن عضويته في جمعيات علمية دولية متخصصة، من بينها الجمعية العالمية للصناعات الغذائية والجمعية الأمريكية لعلوم الألبان، إلى جانب انتمائه لنقابة المهندسين الزراعيين العراقيين.

أما عطاؤه البحثي، فقد تجلّى في عشرات البحوث المنشورة في دوريات عربية وعالمية، إضافة إلى إشرافه على رسائل الماجستير والدكتوراه، مساهماً في إعداد أجيال جديدة من الباحثين والمتخصصين. وقد عُرف بإتقانه اللغتين العربية والإنكليزية، الأمر الذي أتاح له الاطلاع الواسع على أحدث المصادر العلمية وربط المعرفة العربية بالتطورات العالمية الحديثة.

وفي ميدان التأليف، ترك إرثاً علمياً مهماً تمثل في كتب تخصصية أصبحت مراجع أساسية لطلبة الجامعات والباحثين، من أبرزها (أساسيات الكيمياء الحيوية)، و(كيمياء الأغذية)، و(الإنزيمات في التصنيع الغذائي)، و(البروتينات)، فضلاً عن كتابه (مواضيع مختارة في التكنولوجيا الحيوية) الذي حاز الجائزة الأولى لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية، تأكيداً لقيمة عطائه العلمي وتميزه في ميدان البحث والتأليف.

وهكذا ظل الدكتور باسل كامل دلالي نموذجاً للعالم العراقي الذي جمع بين عمق التخصص واتساع الثقافة، وبين العمل الأكاديمي والخدمة العامة، فترك اسمه حاضراً في ذاكرة العلم العراقية بوصفه واحداً من الرواد الذين كرّسوا حياتهم للمعرفة والبناء العلمي.

قد يعجبك ايضا