العراق نحو أفريقيا: تحول استراتيجي في السياسة الخارجية بعد عام 2017

نبيل خالد مخلف – باحث سياسي

شكل إعلان العراق تحرير كامل أراضيه من سيطرة تنظيم داعش في كانون الأول من عام 2017 نقطة تحول مفصلية لم تقتصر آثارها على الجانب الأمني فحسب، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة توجهات السياسة الخارجية العراقية، فبعد سنوات من الانشغال بالحرب على الإرهاب وما سبقها من تحديات داخلية وإقليمية، برزت أمام صانع القرار العراقي فرصة لإعادة تموضع العراق ضمن البيئة الدولية والإقليمية، والانفتاح على فضاءات جديدة تتجاوز الأطر التقليدية التي حكمت علاقاته الخارجية خلال العقود السابقة. وفي هذا السياق، برزت القارة الأفريقية بوصفها أحد المسارات الواعدة التي يمكن أن تسهم في تحقيق أهداف العراق الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

يرتبط هذا التوجه، في جانب مهم منه، بالاعتبارات الاقتصادية التي فرضتها التحولات التي شهدها الاقتصاد العراقي بعد عام 2014، فقد كشفت أزمة انخفاض أسعار النفط عن حجم الاعتماد المفرط على العائدات النفطية، وأظهرت هشاشة البنية الاقتصادية القائمة على الريع النفطي بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات العامة، ومن هنا برزت الحاجة إلى تنويع الشراكات الاقتصادية والبحث عن أسواق وفرص استثمارية جديدة تسهم في تقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة. وفي هذا الإطار، بدت أفريقيا فضاءً اقتصادياً واعداً يمتلك إمكانات كبيرة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية، في الوقت الذي يمتلك فيه العراق ميزات نسبية في قطاعي النفط والغاز، وقد أوجد هذا الواقع فرصاً لتطوير أنماط من التعاون الاقتصادي تقوم على تبادل المصالح وتحقيق التكامل بين احتياجات الطرفين.

وقد ساهم الانفتاح العراقي على محيطه العربي بعد عام 2017 في توفير أرضية مناسبة لهذا التوجه، فإعادة بناء العلاقات مع الدول العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، مثّلت خطوة مهمة في استعادة العراق لدوره الإقليمي وتعزيز حضوره الاقتصادي، كما أظهرت مشاركة الشركات السعودية في معرض بغداد الدولي عام 2017 مؤشرات واضحة على إمكانية توسيع نطاق التعاون الاقتصادي مع شركاء جدد، وهو ما عزز ثقة بغداد بقدرتها على اختراق أسواق ومناطق كانت بعيدة نسبياً عن دائرة اهتمامها التقليدية، ومن بينها القارة الأفريقية.

إلى جانب الدوافع الاقتصادية، برزت اعتبارات جيوسياسية دفعت العراق إلى توسيع نطاق حضوره الخارجي، فقد سعت بغداد خلال مرحلة ما بعد داعش إلى تبني سياسة خارجية أكثر توازناً تقوم على مبدأ الحياد الإيجابي والانفتاح على مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وقد أتاح هذا النهج للعراق فرصة تقديم نفسه بوصفه طرفاً قادراً على أداء أدوار الوساطة وتقريب وجهات النظر في بيئات تتسم بالتعددية والصراعات المعقدة، كما أن التجربة العراقية في إدارة التنوع الاجتماعي والإثني والديني تمنحه رصيداً يمكن الإفادة منه في بناء علاقات مع دول أفريقية تواجه تحديات مشابهة تتعلق بإدارة التعددية وتحقيق الاستقرار السياسي.

وقد تعزز هذا المسار مع الأزمة الخليجية التي اندلعت عام 2017، إذ حافظ العراق على موقف متوازن نسبياً تجاه أطراف الأزمة، الأمر الذي مكنه من الاحتفاظ بعلاقات إيجابية مع مختلف الفاعلين الإقليميين، وأسهم هذا النهج في تعزيز صورة العراق بوصفه دولة تسعى إلى بناء الجسور بدلاً من الانخراط في محاور الاستقطاب، كما تقاطعت هذه الرؤية مع مواقف بعض الدول الأفريقية والعربية التي فضلت الحلول السياسية والتسويات الدبلوماسية على حساب سياسات المواجهة والصراع، الأمر الذي وفر أرضية مشتركة لتطوير علاقات أكثر عمقاً بين العراق وعدد من الدول الأفريقية.

ومن جهة أخرى، أوجدت التنافسات الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي فرصاً إضافية أمام العراق لتعزيز حضوره في القارة، فمع تصاعد التنافس الخليجي على النفوذ في هذه المنطقة الحيوية، سعت العديد من الدول الأفريقية إلى تنويع شراكاتها الخارجية وتجنب الانخراط في الاستقطابات الإقليمية الحادة. وفي هذا السياق، استطاع العراق أن يقدم نفسه بوصفه شريكاً لا يحمل أجندات تنافسية، الأمر الذي منح تحركاته الدبلوماسية قدراً من القبول والمرونة مقارنة ببعض القوى الإقليمية الأخرى.

وعلى المستوى العملي، بدأت ملامح هذا التوجه تتبلور تدريجياً خلال السنوات اللاحقة، فبعد أن كان التركيز منصباً على إعادة بناء العلاقات العربية والإقليمية، توسعت دائرة الاهتمام العراقي لتشمل عدداً من العواصم الأفريقية، سواء من خلال النشاط الدبلوماسي أو عبر البحث عن فرص للتعاون الاقتصادي والاستثماري. كما أسهمت جهود إعادة الإعمار داخل العراق في استقطاب اهتمام شركات ومستثمرين من دول أفريقية مختلفة، الأمر الذي أضفى بعداً اقتصادياً إضافياً على العلاقات بين الجانبين.

ومع تراجع مستوى الانخراط الأمريكي في العراق خلال الأعوام اللاحقة، وازدياد الحاجة إلى تنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية، اكتسبت أفريقيا أهمية أكبر في الحسابات الاستراتيجية العراقية، فقد وفرت القارة فرصاً للتعاون بعيداً عن الاستقطابات الدولية والإقليمية التقليدية، وأسهمت في توسيع هامش الحركة أمام السياسة الخارجية العراقية، بما يدعم جهود تحقيق التوازن في علاقاتها الخارجية وتقليل الاعتماد على شركاء محددين.

وعليه، يمكن النظر إلى التوجه العراقي نحو أفريقيا بعد عام 2017 بوصفه جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف الدور الإقليمي والدولي للعراق، فهذا التوجه لم يكن مجرد استجابة ظرفية أو تحرك دبلوماسي محدود، بل جاء نتيجة إدراك متزايد لأهمية تنويع الشراكات الخارجية وتعزيز الحضور العراقي في مناطق تشهد تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، كما يعكس قناعة متنامية لدى صانع القرار العراقي بأن تحقيق المصالح الوطنية يتطلب الانفتاح على فضاءات جديدة وعدم الارتهان لمحاور إقليمية أو دولية بعينها.

ومع ذلك، فإن نجاح هذا التوجه يبقى مرهوناً بقدرة العراق على تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى برامج عمل ملموسة، من خلال توسيع الحضور الدبلوماسي والتجاري في القارة الأفريقية، وتفعيل آليات التعاون الاقتصادي والاستثماري، وإبرام اتفاقيات طويلة الأمد في مجالات التجارة والطاقة والأمن الغذائي، فكلما نجح العراق في بناء شراكات حقيقية ومستدامة مع الدول الأفريقية، ازدادت فرصه في تعزيز مكانته الإقليمية والدولية وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية والتوازن في سياسته الخارجية.

قد يعجبك ايضا