سفير الثقافة في دهاليز زنزانات الطاغية سيرة أجيال تحت نير القهر والاستبداد!

 

إبراهيم اليوسف

أعادتني قراءة مخطوط “يوميات سجين” للصديق الدكتور أمين سيدو إلى سنوات ثقيلة الوطأة من تاريخ سوريا، إلى مطلع التسعينيات تحديداً، يوم كانت البلاد تعيش ذروة القبضة الأمنية في عهد حافظ الأسد، وكان قلة من الناس يتناقلون أخبار الاعتقال همساً، فيما تتوارى أسماء المعتقلين في زنزانات وسجون الطاغية خلف الجدران العالية والأسلاك والأسئلة والأحلام المؤجلة. يومها نقل إليَّ أحد أبناء قرية الدكتور أمين- وهو أ. فرهدين- الذي كان طالب معهد إعداد معلمين في قامشلي، خبر اعتقاله، وكان د. أمين يعمل في إحدى المؤسسات الثقافية الرفيعة في الرياض- السعودية، كما ارتبط اسمه بمجلة “التوباد” التي شكلت نافذة ثقافية مهمة للكثير من المثقفين العرب ومنهم السوريون والكرد. لم تكن معرفتي به مباشرة آنذاك، إذ توقفت علاقتي عند اسمه الذي لمع عبر مجموعته الشعرية “شرارة من القلب   Prîskek ji dil”، والصادرة عن المعهد الكردي- باريس 1984 في 136 صفحة. تلك المجموعة التي وجدت طريقها إلى جمهور واسع بعد أن غنى فنانون كرد- من بينهم مشاهيرمثل: رشيد صوفي- برادر وغيرهما، عدداً من نصوصها، فحملت قصائدها العاطفية والإنسانية والوطنية اسم صاحبها إلى فضاءات أبعد من حدود الكتاب.
كنت قد سمعت باسمه قبل ذلك بسنوات. ففي أواخر الثمانينيات، وأثناء موسم الحج، حدثني الشاعر عبدالكريم فرمان عنه حديثاً يفيض تقديراً واحتراماً، ونقل سلامه إلي، وتحدث عن خصاله وسيرته، كمن يتحدث عن  صديق وفي، يعرفه جيداً ويطمئن إلى معدنه. ثم جاءت الأيام لتمنح تلك الشهادة القديمة ما يعززها ويثبتها، إذ تعرفت إلى رجل حمل ثقافة واسعة، وأخلاقاً راسخة، وهدوءاً داخلياً يندر حضوره في الأزمنة المضطربة، فضلاً عن انتمائه إلى عائلة عرفت بين الناس بحسن السيرة والكرم والعلاقات الإنسانية المتينة.
وتتجاوز سيرة الدكتور أمين حدود الإنجاز الأكاديمي الخالص، إذ تقدم أنموذجاً للمثقف السوري الكردي الذي وجد نفسه مدفوعاً إلى الاغتراب سنوات طويلة تحت وطأة مناخ سياسي خانق حكم حياة أجيال كاملة. حمل وطنه معه أينما ذهب، وحمل ثقافته ولغته وذاكرته إلى فضاءات العمل والمعرفة، فاستمر في عطائه العلمي والثقافي بعيداً عن أرضه الأولى، حتى بات اسمه معروفاً في دوائر معرفية وثقافية واسعة، وغدا في نظر كثيرين سفيراً ثقافياً سورياً كردياً أينما حل. ومن هنا تزداد وطأة المشهد الذي يرويه هذا الكتاب، إذ يقف القارئ أمام أكاديمي وباحث ومؤلف كرّس عمره للمعرفة، يعود إلى وطنه- في إجازة من أسابيع قليلة- محملاً بالشوق إلى أهله وأرضه، فيستقبله جلاوزة الحدود بتصفيد يديه، وتدفعه أجهزة الاستبداد إلى دهاليز الفروع الأمنية والسجون. وهكذا تتحول هذه السيرة إلى شهادة تتجاوز صاحبها، حيث تعكس جانباً من المأساة التي لحقت بنخبة واسعة من المثقفين وأصحاب الكفاءة الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة سلطة تعاملت مع أهل الفكر والإنجاز بعقلية الارتياب والعقاب، فخسرت البلاد طاقات كبيرة كان جديراً بها أن تكون موضع تقدير واحتفاء. وتبقى خصلة أخرى جديرة بالتسجيل عند الحديث عن الدكتور أمين، إذ عرفته الأوساط الثقافية والبحثية رجلاً فاضلاً هادئ الطبع، واسع الصدر، قليل الانشغال بالخصومات، حريصاً على علاقاته الإنسانية، مؤمناً بقيمة المعرفة والعمل الدؤوب، لذلك تبدو صفحات هذه المذكرات منسجمة مع صاحبها؛ كتابة متزنة تحافظ على وقارها حتى في أكثر اللحظات قسوة وإيلاماً.
ومع اتساع المعرفة بيننا، بدأت تتكشف أمامي حكاية الاعتقال. روى الدكتور أمين وقائع عودته من الاغتراب بعد أربعة أعوام قضاها بعيداً عن أهله ووطنه، حاملاً شوقاً متراكماً إلى أمه، وأبيه، وإخوته، وأخواته، وقريته، ومدينته.  فقد كانت الرحلة بالنسبة إليه عودة إلى الجذور والوجوه الأولى والذكريات المؤجلة. غير أن تلك العودة انقلبت عند النقطة- الحدودية السورية الأردنية- إلى بداية محنة طويلة إثر تقرير كيدي دفعه إلى التنقل بين الفروع الأمنية والسجون. ومن هنا تبدأ المأساة التي يرويها هذا الكتاب. حكاية رجل جاء إلى وطنه مشتاقاً فاستقبلته الأجهزة الأمنية قبل أن يستقبله أهله.
وتزداد حدة آلام وأوجاع هذه التجربة حين يكتشف القارئ أن الشاعر- الباحث السجين لم يكن وحده داخل الزنزانة.  إذ كانت الأم سجينة الانتظار، وكان الأب سجين القلق، وكان الإخوة والأخوات والأقارب أسرى الخوف والترقب والسعي اليومي وراء خبر أو زيارة أو وعد أو وساطة. وكانت الأموال تتسرب من جيوب العائلة في زمن بلغت فيه الرشوة مرتبة المؤسسة غير المعلنة، حتى صار الوصول إلى معلومة واحدة يحتاج إلى ما يعجز عنه العوام، لاسيما ممن يسمون: أصحاب الدخل المحدود.
وهكذا اخترقت العقوبة جدران السجن، لتشمل دائرة واسعة من البشر الذين ارتبطت حياتهم بالمعتقل ومصيره، في زمن كان البلد- برمته- سجناً كبيراً، وكان أبناؤه، جميعاً، أسرى، وسجناء، ومطاردين!؟
وتستمد هذه المذكرات خصوصيتها من طبيعة صاحبها. فالدكتور أمين سيدو خاض هذه التجربة، قادماً، من عالم مختلف تماماً.  فهو، بطبيعته، وتكوينه، ابن الكتب قبل أن يصبح حبيس الزنازين.  فقد عشق المكتبات منذ وقت مبكر، واختار أن يجعل من المعرفة تخصصاً ومهنة ورسالة، ثم تابع دراساته العليا حتى نال درجة الدكتوراه في علوم المكتبات، وعمل في مؤسسة ثقافية عربية رائدة. ولهذا جاءت فصوله المثيرة مشبعة بدقة الباحث وذاكرة الأرشيفي وقدرة القارئ المزمن على التقاط الجزئيات الصغيرة التي يغفل عنها كثيرون. القارئ هنا أمام شاهد يمتلك حس التوثيق بقدر ما يمتلك حس السرد، لذلك تكتسب الأسماء والأمكنة والتواريخ والحوارات وزناً خاصاً داخل النص.
وأثناء التوغل في هذا المخطوط يتعزز شعور متزايد بأننا أمام عمل يتجاوز الإطار التقليدي للمذكرات. فالشخصيات تتحرك بحيوية واضحة، والمشاهد تتوالد تباعاً، والأحداث تتصاعد وفق إيقاع يشد القارئ من صفحة إلى أخرى، فيما تتشكل الأمكنة في إهاب عناصر فاعلة داخل البناء الحكائي. الحدود، الطريق، السيارة، الحاجز، القبو، الممرات، الزنازين، وجوه السجانين، فساد النظام.  وحشية الجلادين، أصوات الأبواب الحديدية، كلها تتحول إلى مكونات سردية متكاملة. ومن هنا تقترب “يوميات سجين” من الرواية السيرية، في إطار “نوفيلي” حيث تتداخل الشهادة الشخصية مع البناء الحكائي في نسيج واحد، فتولد كتابة تجمع حرارة التجربة ودقة التوثيق وحيوية السرد.
وتزداد علاقتي بهذا الكتاب رسوخاً لأنني أعد نفسي من أكثر المعنيين بأدب السيرة والمذكرات، وأرى أن كل إنسان امتلك تجربة جديرة بالتدوين مدعو إلى تدوينها، لاسيما إننا أحفاد أجداد تم تضييع تاريخهم زوراً، وها تضيع وقائع هائلة من تاريخ الناس كل يوم تحت وطأة الصمت، بينما تحتفظ الذاكرة الفردية بما تعجز عنه الوثائق الرسمية والسجلات الباردة. لهذا طالبت مراراً الكتّاب والمثقفين وأصحاب التجارب الثرية الفريدة والصعبة. القاسية، وحتى اليوميات العادية بأن يكتبوا ما عاشوه بأقلامهم، فالسيرة المكتوبة- بصدق-تضيف إلى معرفة الناس بزمانها ومجتمعها أكثر مما تضيفه عشرات الدراسات التي تنظر إلى الوقائع من الخارج.
وتحديداً لهذا السبب، فقد استوقفتني تفاصيل يوميات الدكتور أمين سيدو في سجنه، والتي قرأتها في جلستين متلاحقتين، كاتماً الأنفاس، وكأنني أمام شريط فيلم سينمائي مؤثر. فقد كتب تجربته بلغة رفيعة تحترم القارئ وتحترم الحادثة في آن معاً، حيث حافظ على درجة عالية من الصدق، وترك الوقائع تتحدث بقوتها الكامنة، فابتعد عن المبالغات التي تستهوي كثيرين بعد الخروج من المحن، وابتعد عن استعراض البطولة الفردية الذي يتسلل أحياناً إلى مذكرات السجون، من جهة: المواجهة. المقاومة، واكتفى بإيراد ما جرى كما رآه وعاشه وتحمّل نتائجه، بما لم أفاجأ به، من خلال معرفتي الوثيقة بطبيعته وإنسانيته وأصالته. وهكذا جاءت فصول هذه المدونة مشغولة بالإنسان أكثر من انشغالها بصورة شاعر، أو باحث، أو كاتب، أو صحافي، أو مرب، أكاديمي عن نفسه، وجاءت التجربة حاضرة في دقائق وتفاصيل حلة وزنها الحقيقي من دون إضافات تبحث عن الإبهار، أو عبارات تسعى إلى تضخيم الألم، المضخم، أصلاً، بما يفوق مقدرة: التحمل، أو مشاهد تستدرج التعاطف على حساب الوقائع، ولا أريد الإشارة إلى أية من هذه النقاط، لاسيما لحظة الاعتقال بحضور مستقبليه: أبيه وأخوته وأبناء عمومته، على بعد عشرات الأمتار، وهو مكبل، دون أن يتاح له أن يحتضنهم، بعد غربته؟!
ومن هنا يكتسب هذا المخطوط قيمة مضاعفة في نظري، إذ إن القارئ يواجه شهادة كتبها صاحبها بعين مفتوحة على ما جرى، وبمسؤولية أخلاقية تجاه الحادثة وتجاه القارئ معاً، فخرج النص محتفظاً بحرارته الإنسانية، ومحتفظاً أيضاً بانضباط السرد الذي يجعل الثقة تتقدم خطوة بعد أخرى مع كل صفحة جديدة

ويستوقفني في هذا العمل جانب آخر يكشف الكثير عن شخصية صاحبه. فقد امتلك الدكتور أمين من الوقائع والأسماء ما يسمح له بكتابة صفحات طويلة عن الشخص الذي تسبب في اعتقاله عبر تقرير كيدي، كما امتلك ما يكفي من التفاصيل التي تمكنه من فضح هذا الفصل كاملاً. ومع ذلك اختار أن يحذف ذلك الفصل- المثير- من الكتاب، بروحه الإنسانية، وتقديراً لذوي ذلك المخبر الذي لا نعرفه، ولا ولم يصرح باحثنا باسمه.. رغم أن ذلك- كما أنا موقن- لم يكن عجزاً عن الكتابة، ولا شكاً في المعلومات، بخاصة أن من أدوات جلاوزة  أجهزة مخابرات البعث والأسد أنهم كانوا يبثون الفرقة والتعادي بين الناس ويجعلون المرء- في هكذا موقف- مدفوعاً للشك بأقرب مقربيه، وللحقيقة، فإن هذا الموقف- الشهم- من قبل كاتبنا جاء قراراً أخلاقياً اتخذه عن قناعة، تشبه صفاء عالمه الروحي وثقافته وتربيته.
وقد وجدت فيه ما يكشف عن نزعة إنسانية راسخة لديه، حيث فضّل أن يترك باباً مغلقاً على حكاية أليمة خاض مرارة تجربتها، وأن يمنح النص السردي- المذكراتي- السيري، فرصة الانشغال بالتجربة الجمالية الكبرى عوضاً عن تصفية الحسابات الشخصية.
وتنبع أهمية هذا الكتاب من كونه شهادة فردية تفتح نافذة واسعة على مرحلة كاملة من تاريخ البلاد. فإذا كان القارئ يعثر فيه على ملامح سيرة إنسان واحد، في إحدى محنه التي زج فيها، ظلماً، وبهتاناً، غير أن خلف تلك السيرة تقف صورة زمن كامل، بأجهزته الأمنية، وخوفه اليومي، وشبكات الوشاية فيه، وأحلام الناس الصغيرة التي كانت تتكسر عند أول احتكاك بمؤسسات السلطة. وهكذا يغدو الدكتور أمين في هذا السفر. القصيدة الدرامية. راوياً لتجربته الخاصة، وشاهداً على مرحلة تركت آثارها في حياة أعداد كبيرة من السوريين الذين عبروا تلك العقود الثقيلة حاملين جراحهم بصمت.
لهذا أرى أن “يوميات سجين” تكتسب قيمتها من صدقها، ومن قدرتها على الإمساك بالتفاصيل الإنسانية، إضافة إلى حفاظها على توازن نادر بين التوثيق والسرد، من دون أن ننسى بأن القارئ سيجد نفسه- بكل تأكيد- أمام كتاب يقرؤه بعين المؤرخ أحياناً، وبعين الروائي أحياناً أخرى، فيما تبقى الحقيقة التي عاشها صاحبه الخيط الذي يشد أزر فصول أو صفحات العمل كلها إلى بعضها، ويمنحها تلك القدرة على البقاء في الذاكرة طويلاً.
إيسن/ ألمانيا 29-5-26
*

شرارة من القلب   Prîskek ji dil”،
** يصدر الكتاب عن دار رامينا للطباعة والنشر- لندن والتي أسسها الروائي هيثم حسين

قد يعجبك ايضا