كمال عبيد
في عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً، تبدو الحاجة أكثرإلحاحاً لبناء نظام اجتماعي يقوم على التوازن بينالحرية والانضباط، وبين الحقوق والمسؤوليات، وبينالفرد والجماعة. لأن المجتمع الذي يفقد هذا التوازن،يفقد تدريجياً قدرته على حماية نفسه من التفكك،حتى وإن بدا مستقراً من الخارج…
في المدن التي تنهكها الأزمات، لا تظهر علاماتالتراجع أولاً في الجدران المتشققة أو الطرقالمتهالكة، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي تتسللإلى حياة الناس بصمت. في طريقة الاصطفافأمام الدوائر، في لغة الحوار داخل الشارع، فيعلاقة الموظف بعمله، وفي حجم احترام الإنسانلحقوق الآخرين. هناك، تحديداً، يبدأ المجتمعبإرسال إشاراته الأولى عن طبيعة تحوله الداخلي.
المجتمعات تتكوّن من تفاصيل السلوك اليوميلأفرادها بقدر ما تقوم على القوانين والمؤسسات. فكلتصرف، مهما بدا بسيطاً أو عابراً، يترك أثراً فيالمزاج الأخلاقي العام، ويشارك تدريجياً في رسمصورة المجتمع واتجاهاته. الإنسان بطبيعته كائناجتماعي، يعيش داخل شبكة واسعة من العلاقاتوالتأثيرات المتبادلة، لذلك حتى القرارات الشخصيةتنعكس بصورة أو بأخرى على البيئة المحيطة وعلىشكل الحياة الجماعية.
في الأزمنة القديمة، عاش الإنسان مدفوعاً بغريزةالبقاء أكثر من أي شيء آخر. كانت القوة هي اللغةالأكثر حضوراً، والخوف جزءاً من الحياة اليومية.
لكن تطور المجتمعات لم يكن مجرد انتقال منالكهوف إلى المدن، وإنما انتقال من الفوضى إلىفكرة التنظيم، ومن العزلة إلى الشعور بالحاجة إلىالآخر. ومع هذا التحول، بدأت القيم والأعرافوالقوانين تأخذ مكانها في حياة البشر، بوصفهاأدوات لحماية المجتمع من الانفلات.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الإنسان مجرد كائن يبحثعن نجاته الفردية، وإنما أصبح جزءاً من نظاماجتماعي واسع، يتأثر به ويؤثر فيه في الوقت نفسه. لهذا تبدو أخلاق الفرد وسلوكه أكثر من شأنشخصي، لأنها تتحول تدريجياً إلى جزء من السلوكالجمعي العام.
المعضلة التي تواجه كثيراً من المجتمعات اليوم، ومنهاالمجتمع العراقي، تتصل بتراجع الشعور بالمسؤوليةالعامة أمام تصاعد النزعة الفردية. فثمة انشغالواضح بالمصلحة الخاصة على حساب الفكرةالمشتركة، ورغبة متزايدة في الاستحواذ والربحالسريع، حتى لو جاء ذلك على حساب النظام العامأو حقوق الآخرين.
هذا التحول لا يحدث فجأة، وإنما يتراكم عبر سنواتطويلة من الاضطراب السياسي والاقتصاديوالثقافي. وحين يعتاد الفرد على تقديم ذاته بوصفهاالمركز الوحيد لكل شيء، تتراجع قيمة التعاون،ويضعف الإحساس بالمصلحة العامة، ويتحولالمجتمع تدريجياً إلى مجموعة جزر معزولة، تعيشداخل المكان نفسه لكنها تفتقد روح الجماعة.
الأهم من ذلك أن السلوك الفردي لا يبقى معزولاًداخل حدوده الشخصية. فالفرد الذي يمارس الأنانيةبشكل يومي، أو يتعامل مع القانون بوصفه عائقاً، أويرى النجاح في تجاوز الآخرين، يساهم من حيث لايدري في إنتاج بيئة اجتماعية مرتبكة. ومع تكرارهذه النماذج، تتغير صورة المجتمع بالكامل، وتصبحالفوضى سلوكاً مألوفاً، بينما يبدو الالتزام استثناءًنادراً.
علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لم ينشغلا عبثاً بدراسةالإنسان وعلاقته بالجماعة. فكل التجارب الإنسانيةالكبرى أثبتت أن المجتمعات المستقرة هي تلك التينجحت في خلق توازن بين حرية الفرد ومسؤوليتهتجاه الآخرين. وحين يختل هذا التوازن، تبدأ منظومةالقيم بالتآكل، حتى وإن بقيت الشعارات الأخلاقيةحاضرة في الخطاب العام.
في العراق، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة التفكير بطبيعةالعلاقة بين الفرد والمجتمع. فالأزمات المتراكمة لمتترك آثارها على الاقتصاد والسياسة فقط، وإنماامتدت إلى السلوك اليومي أيضاً. هناك شعور متنامٍبعدم الثقة، وتراجع في الإحساس بالمسؤوليةالمشتركة، وتآكل بطيء لفكرة الانتماء العام، وهيمؤشرات لا يمكن التعامل معها بوصفها ظواهرهامشية.
ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة لاستعادة التوازن. فالمجتمعات لا تتغير عبر القرارات الرسمية وحدها،وإنما من خلال إعادة بناء الوعي الفردي. المدرسةتستطيع أن تصنع جيلاً أكثر احتراماً للقانون،والأسرة قادرة على غرس فكرة المسؤولية، والإعلاميستطيع أن يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية بدلتكريس ثقافة الإثارة والانقسام، كما أن المؤسساتالثقافية والدينية مطالبة بدور أكثر فاعلية في ترميمالمعنى الأخلاقي للحياة العامة.
أما الفرد نفسه، فيبقى النقطة الأكثر حسماً فيعملية الإصلاح. لأن أي مجتمع لن يتمكن مناستعادة عافيته ما لم يبدأ الإنسان بمراجعة علاقتهبالآخرين، وبالقانون، وبفكرة المصلحة العامة. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخطب الكبيرة،وإنما من التفاصيل التي يكررها الناس كل يوم: احترام الدور، إتقان العمل، الحفاظ على الممتلكاتالعامة، والقدرة على الاختلاف من دون عداء.
المجتمعات المتقدمة لم تصل إلى استقرارها عبرالثروة وحدها، وإنما عبر نجاحها في تحويل السلوكالفردي إلى جزء من مشروع جماعي واسع. وهذا ماتحتاجه المجتمعات التي تبحث اليوم عن طريقللخروج من أزماتها المتراكمة: إعادة الاعتبار لفكرةالإنسان المسؤول، الذي يدرك أن تصرفاته اليومية لاتخصه وحده، وإنما تشارك في تشكيل صورةالمجتمع كله.
وفي عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً، تبدو الحاجة أكثرإلحاحاً لبناء نظام اجتماعي يقوم على التوازن بينالحرية والانضباط، وبين الحقوق والمسؤوليات، وبينالفرد والجماعة. لأن المجتمع الذي يفقد هذا التوازن،يفقد تدريجياً قدرته على حماية نفسه من التفكك،حتى وإن بدا مستقراً من الخارج.