إبراهيم اليوسف
تحتفظ الذاكرة السورية بأسماء كثيرة ارتبطت بسنوات القمع والاعتقال والاختفاء، إلا أن اسم د. رانيا العباسي ظل يحتل مكانة خاصة، لأن القضية كانت منذ لحظتها الأولى، ذات خصوصية، تتعلق بحيوات أسرة كاملة اختفت دفعة واحدة – كرمز عن آلاف العائلات التي زالت في سنوات الرعب – تاركة وراءها أسئلة ما زالت معلقة في الضمير السوري، وفي ضمير العالم الحر حتى اليوم، في انتظار فتح- الملف- بكل آهات الأطفال الصغار، ومقتلهم، أمام أعين والديهم.
تنحدر رانيا العباسي من أسرة كردية معروفة، ونشأت في حي الكرد في دمشق، ذلك الحي الذي كان له حضور شبابه، في المظاهرات السلمية، منذ بداية الثورة، ودفع دماء خيرة بناته وأبنائه، على يد آلة نظام: البعث والأسد، وهو الحي الذي ظهرت فيه أجيال من الأطباء والمهندسين والمعلمين والموظفين والمثقفين، والغيارى، الأبطال، وارتبط اسمه بمحطات وطنية مبكرة في مواجهة الانتداب الفرنسي، وكل أصناف الاستبداد، رغم ما تعرض له تاريخه من تهميش وتزوير. لقد عرفت رانيا منذ سنواتها الأولى بالتفوق والاجتهاد، ثم لمع اسمها في رياضة الشطرنج، حيث حققت نتائج مهمة وضعتها بين الأسماء المعروفة على مستوى سوريا.، عبر مشاركاتها في البطولات الدولية
اختارت دراسة الطب، ثم واصلت طريقها المهني حتى أصبحت طبيبة أسنان ناجحة. سنوات العمل خارج سوريا فتحت أمامها أبواباً واسعة للاستقرار والنجاح، حيث أقامت فترة في الرياض في المملكة العربية السعودية، وكانت تملك ما يكفي من الدواعي التي يمكن أن تدفعها إلى متابعة حياتها هناك. إلا أن تعلقها ببلدها وأهلها دفعها إلى العودة إلى دمشق، حيث استأنفت عملها الطبي وسط مجتمعها ومرضاها وأصدقائها.
ارتبط اسمها خلال تلك المرحلة بأعمال إنسانية وإغاثية، في وقت كان البلد ينحدر نحو واحدة من أكثر مراحلها تحديات ومصاعب. مئات آلاف الأسر احتاجت إلى العون، وامتلأت المدن والبلدات بالمحتاجين والنازحين والمصابين، فبرزت مبادرات أهلية كثيرة لمساندة الناس والتخفيف من أعبائهم، وكان اسم رانيا العباسي حاضراً في هذا المجال وفق ما تداوله معارفها ومحيطها الاجتماعي، وهو ماكان يجب أن يدعو الجهات العليا لتكريمها، فيما لو امتلكت- ذرة من النخوة الوطنية والكرامة والشرف.
إلا أنه سرعان ما انتقل اسمها من سجل النجاح المهني والإنساني إلى سجل المأساة السورية، غير المنظور فيها، بعناية. فقد بدأت القصة الأليمة باعتقال زوجها – إثر اعتقال جار شاب من مدينة حمص آزره رفيق دربها كما روي لاحقاً – ثم امتدت إلى رانيا نفسها مع أطفالها الستة، بعد أن جرت مداهمة منزل الأسرة في حي دمر في دمشق، وأغلقت الأبواب خلف العائلة كلها، لينقطع بعد ذلك خبر الأب والأم والأطفال معاً. كي تتابع الأيام والأشهر والسنوات، فيما بقي مصير الأسرة مجهولاً، إلى أن تم إعلان استشهادهم، تحت التعذيب، و فتح الباب، وإظهار مشهد أسرَّة الأطفال وألعابهم و ذكرياتهم..؟!
طبيعي، أن الصدمة التي أحدثها نشر ملف القضية- وهو واحد من مئات آلاف الأحداث المماثلة في سوريا- ارتبطت بحجمها الإنساني قبل أي اعتبار آخر. إذ دار الحديث حول ماجرى لطبيبة إنسانية معروفة، وزوج، وستة أطفال اختفوا معاً. بيت كامل اختفى من دورة الحياة العامة في ليلة واحدة. الصور التي كانت معلقة على جدران المنزل بقيت مكانها، والألعاب التي كانت بين أيدي الأطفال فقدت أصحابها، فيما استمرت السنوات في -عبورها الثقيل- من دون أن تحمل خبراً واضحاً عن مصير تلك الأسرة.
الأطفال الستة يشكلون أكثر فصول القضية إيلاماً، لاسيما إن أصغرهم كان رضيعاً، فيما كان أشقاؤه في مراحل عمرية مختلفة. عقد ونيف مضى منذ ذلك اليوم. الأعمار التي توقفت عند لحظة الاختفاء واصلت سيرها الافتراضي في حساب دورة الزمن. الأطفال الذين كانوا يتجهون نحو المدرسة كان من الممكن – لو كتب لهم العمر – أن يغدوا رجالاً ونساءً بالغين. مقاعد جامعية كانت تنتظرهم، ومهن كانت تنتظر أصحابها، وعائلات جديدة كان يمكن أن تنشأ منهم. غير أن الزمن استمر في الخارج، فيما بقيت حياتهم أسيرة ظلام وجلاوزة تلك الليلة السورية الطويلة.
لهذا ظلت قضية رانيا العباسي حاضرة كلما عاد الحديث عن المعتقلين والمختفين قسراً. فالقضية تتعلق بأسرة كاملة انقطعت أخبارها دفعة واحدة، وتتعلق بأطفال لم يعرف أحد على وجه اليقين أين انتهت بهم الطرق، كما تتعلق بأب وأم غابا في ظروف ما زالت تحتاج إلى كشف كامل للحقيقة.
وتكتسب القضية بعداً إضافياً لأن رانيا العباسي لم تكن شخصية عسكرية، أو صاحبة نفوذ أو سلطة. لقد كانت طبيبة وأماً ولاعبة شطرنج، عادت إلى بلدها بعد سنوات من العمل والاستقرار خارجه. لهذا بقيت قصتها حاضرة في النقاش السوري، حول مصير آلاف المعتقلين والمختفين الذين ابتلعتهم السجون ومراكز الاحتجاز خلال العقود الماضية.
كثير من الملفات السورية الكبرى يمكن قراءتها من خلال هذه القضية وحدها. أسرة كاملة اختفت، وأطفال انقطعت أخبارهم، وصمت طويل أحاط بالمصير، فيما ظل ذوو الضحايا والرأي العام يبحثون عن الحقيقة. ولهذا تبرز قضية رانيا العباسي وأسرتها باعتبارها جزءاً أساسياً من ملف العدالة الانتقالية في سوريا. إذ إن كشف مصير الأسرة ومحاسبة المسؤولين عن اختفائها يدخلان في صلب أي عملية قانونية جادة تسعى إلى إنصاف الضحايا وإعادة الاعتبار لهم.
أجل، تقتضي العدالة الانتقالية محاكمة مجرم سوريا الأول وكل أدوات حكمه التي شاركت في بناء منظومة القمع والاعتقال والإخفاء القسري، لأن الجريمة التي طالت رانيا العباسي وأسرتها تتجاوز حدود عائلة واحدة، وتمس حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة الكاملة. وهكذا يبقى هذا الملف مفتوحاً في الذاكرة السورية، ويظل الكشف عن المصير ومساءلة المسؤولين مطلباً قائماً ما دام الغموض يحيط بهذه القضية وسواها من القضايا المشابهة.
ويبقى السؤال قائماً بعد أكثر من عقد من الزمن. إنه سؤال جارح وأليم، يتعلق بطبيبة كردية ابنة حي الكرد في دمشق، وزوجها، وأطفالها الستة الذين دخلوا دائرة الغياب في ليلة واحدة، ثم تحولوا إلى قضية إنسانية مفتوحة في ذاكرة السوريين. امرأة- شهمة- اختارت العودة إلى بلدها والعمل بين أهلها، ثم وجدت نفسها مع أسرتها داخل: زنزانة تغدو غرفة إعدام، في -ملف قضية- تعد من أكثر القضايا إيلاماً في التاريخ السوري المعاصر. ومن هنا يستمر اسم رانيا العباسي حاضراً، كعنوان صارخ وأليم، لقضية تنتظر الحقيقة والعدالة، فهلا …؟!