مواسم الطين الساكن

سرحان محمد علي الكاكئي

وقفنا طويلاً نجفف أوراقَ ذاك الخريفْ

ونغسلُ بالدمعِ ملحاً تغلغلَ فوقَ الرصيفْ

ولم ندرِ أنَّ القطارَ سيمضي بلمحٍ خطيفْ

ويتركُنا كالغبارِ نلوذُ بظلٍّ ضعيفْ

مشينا شتاءً طويلاً بجيوبٍ ملأى وعودْ

ونطرقُ باباً قديماً أبى بعدَ هجرٍ يعودْ

أرى الليلَ ينسجُ من خوفِنا قيداً وبضعَ سدودْ

ويأكلُ ملامحَنا في زحامِ المدى والحدودْ

فلا تفتحِ الصمتَ إنَّ الكلامَ غدا كالحجرْ

يمزقُ صدراً إذا ما بوحُهُ يوماً جهرْ

رأينا بياضَ السنينِ يذوبُ كوقعِ المطرْ

ونحنُ نقيسُ المسافةَ ما بينَ يأسٍ وقدرْ

تعبنا من الالتفاتِ وخلفَ النوافذِ عتمةْ

نفتشُ في غرفِ العزلةِ عن دفءِ نسمةْ

ولكنَّ عشبَ الندمِ في الحناجرِ أرسى وسمةْ

فصرنا نعيشُ الفراغَ بلا أيِّ اسمٍ وبصمةْ

نخبئُ تحتَ المعاطفِ بيوتاً هجرنا ثراها

ورائحةَ الخبزِ والأمهاتِ وكلَّ مداها

إذا الريحُ هبّتْ بليلٍ تثيرُ بكانا أساها

وتتركُ أرواحَنا في شباكِ غيابٍ طواها

فيا أيُّها العابرونَ دروبَ الشتاتِ الطويلْ

خذوا ما تبقى من الحبرِ والورقِ المستحيلْ

فما عادَ في جعبةِ الوقتِ صبرٌ لردِّ الجميلْ

سنرجعُ للطينِ يوماً صمتاً بلا أيِّ قيلْ

قد يعجبك ايضا