اكرم محمد
تمثل الأعياد في الفكر والوجدان الكوردي منظومة أنثروبولوجية وسوسيولوجية بالغة التعقيد، تتجاوز القالب الشعائري الجامد أو المظهر الاستهلاكي العابر، لتتحول إلى آلية ديناميكية كبرى صاغتها الأمة الكوردية عبر القرون لإنتاج المعنى وتحقيق التوازن الوجودي، وحفظ كينونتها القومية في مواجهة محاولات المحو والإنكار السياسي والجغرافي. يتضح عند تتبع الأدبيات الكردولوجية والدراسات الإثنوغرافية الحديثة (مثل دراسات معهد باريس الكوردي والأبحاث المنشورة في المجلة الدولية للدراسات الكردية) أن العيد الكوردي — سواء كان شعيرة دينية إسلامية كالأضحى والفطر، أو مناسبة قومية تاريخية كـ نوروز — يُعاد توطينه وهيكلته في الوعي الجمعي ليكون استراتيجية بقاء صلبة تدمج بين التسامي الروحي الصوفي والارتباط الوجودي الصارم بالجغرافيا الجبلية. تنبثق الفلسفة الكردية للعيد من نظرية مركزية يمكن تسميتها بـ “الاستعصاء الثقافي والمقاومة بالبهجة”، حيث يرفض الفكر الكوردي الرؤية الخطية الكلاسيكية للتاريخ القائمة على مسار زمني جاف، ويستبدلها بفلسفة “الزمن الحلزوني الدائري” المتناغمة مع ميثولوجيا بلاد ميزوبوتاميا والديانات الشرقية القديمة (كالزردشتية والخرمية). في هذا المتخيّل الكوني، يرى الإنسان الكوردي في العيد “نقطة الصفر لإعادة ضبط الوجود”، والعبور الحتمي من حالة الموت والجمود والصمت (التي يمثلها الشتاء الطويل أو القهر السياسي المعاصر) إلى حالة الحياة والخصوبة والانعتاق (التي يمثلها الربيع والتحرر).

يتجلى هذا البعد الفكري والروحي بوضوح في التأويل الصوفي الإشراقي لطقوس الفداء والتضحية، لا سيما في عيد الأضحى؛ إذ يتأثر التدين الكوردي تاريخياً بالنزعة الصوفية العميقة للطريقتين النقشبندية والقادرية، اللتين صاغتا وجدان المنطقة. لا ينظر الفكر الكوردي المعاصر إلى الأضحية كفعل ميكانيكي لإراقة الدم، بل يفسرها بنيوياً بوصفها “تضحية رمزية بالأنا الفردية الطاغية” والأنانيات الشخصية تلبيةً لنداء الحق وتذويباً للذات في سبيل مصلحة الكيان الجمعي للامة؛ وتجد هذه الفلسفة الصوفية تطبيقاً إثنوغرافياً صارماً صبيحة يوم العيد من خلال “طقس الوفاء والذاكرة الجماعية”، حيث تزحف العائلات الكوردية بشكل جماعي وممنهج نحو مقابر الشهداء وضحايا عمليات الإبادة التاريخية (كأنفال وحلبجة)، مما يدمج الواجب الروحي الديني بالالتزام الوطني المقدس، ويُعيد تعريف العيد في وعي الأجيال الشابة بأنه “حرية معاصرة ومساحة فرح سُقيت بدماء الأجداد والأنبياء وصناع التاريخ”.
من الناحية السوسيولوجية وتفكيك البنية الاجتماعية، يعمل العيد في الفضاء الكوردي كأداة قهرية لفرض “التسطيح الأفقي” ومقاومة التراتبيات الطبقية أو الرأسمالية الطارئة. وتبرز “أنثروبولوجيا الطعام والمائدة الكوردية” هنا كمؤشر بنيوي دال؛ إذ يتحول طقس إعداد حلويات “الكليشة” التقليدية (المحشوة بالجوز والتمر والملتوتة بالسمن البلدي) في ليلة العيد من مجرد عمل منزلي معزول، إلى فضاء مشاعي إنتاجي تلتقي فيه نساء الحي أو العائلة الممتدة لتبادل الحكايا وتصفية النفوس، بينما تُفرش موائد الصباح الدسمة بوجبات “الباجة” (لحم الرأس والأطراف المخيطة) و”القاورمة” (اللحم المقلي) في مضايف عامة ومساحات مفتوحة تلغي كلياً التمايز السوسيولوجي بين الغني والفقير، أو بين رئيس العشيرة والمسؤول السياسي والفلاح البسيط، حيث يتناول الجميع الطعام من الإناء نفسه في فضاء مكشوف يؤكد على وحدة المصير المادي. وتاريخياً، في فترات غياب المؤسسات السياسية والقضائية المستقلة التي تحمي الحقوق القومية للأكراد، يوثق المستشرق الروسي باسيلي نيكيتين في كتابه الكلاسيكي “الأكراد: دراسة سوسيولوجية وتاريخية” كيف تحول العيد إلى “محكمة اجتماعية تصالحية” ذاتية الإدارة، حيث تصبح مجالس ومضايف الأعياد مؤسسات تحكيمية اختيارية لإنهاء الثارات العشائرية وفض النزاعات المعقدة تيمناً ببركة أيام العيد، مما يحقق سلماً أهلياً بديلاً يحمي الجسد الاجتماعي من التفتت المعنوي أو التناحر الداخلي.
يرتبط هذا التماسك البنيوي ارتباطاً وثيقاً بـ “جيوبوليتيك الجبل وصناعة المخيال الحركي”، فبينما تميل شعوب العالم إلى الاحتفال في الحواضر العمرانية وفي فضاءات مدنية مغلقة، ينزع الكرد غريزياً فور انقضاء الصلاة الشعبية إلى الهجرة العكسية المؤقتة نحو الطبيعة المفتوحة والمروج وسفوح الجبال. الجبل في السيكولوجيا الكردية ليس مجرد تضاريس جغرافية، بل هو الحامي والأنيس والحصن الوجودي الذي حماهم من الاندثار والإبادات عبر التاريخ؛ لذا فإن نقل العيد إلى حضن الطبيعة والجبل هو بمثابة إعلان “الحرية الخام والانعتاق من قيود الحدود والأوراق السياسية المفروضة”.
على هذه السفوح، تتكامل فلسفة الجسد مع الفلسفة القومية عبر الدبكات الفلكلورية الجماعية (الـ شايي الـ كوردي)، والتي تعتمد حركياً على تشابك الأيدي القوي وتلاحم الأكتاف والضرب المتزن بالأقدام على الأرض؛ وهي ترجمة بصرية وإيقاعية مبهرة ترمز إلى الصلابة اللامتناهية، والوحدة القومية، واستعصاء النسيج المجتمعي الكردي على التفكيك أو الترهيب، محولةً الفرح الجماعي من مجرد انفعال سايكولوجي مؤقت إلى فعل “مقاومة رمزية مستدامة”.
هذا الخطاب الحركي يستند إلى خطاب بصري أشد عمقاً وهو “سيكولوجية الألوان وثقافة الهوية”؛ فارتداء الزي الكوردي الفلكلوري بكامل تفاصيله التاريخية (الـ فيستان الفضفاض الملون للنساء، والـ كوا وبانتول والشال للرجال) بألوانه الصارخة والزاهية (الأحمر، الأصفر، الأخضر، والبنفسجي) المستوحاة مباشرة من ربيع جبال كوردستان وطبيعتها، لم يكن يوماً مجرد زينة بروتوكولية للاحتفال. تاريخياً، وفي الفترات والمناطق التي فُرض فيها حظر على الرموز القومية الكوردية وشهدت سياسات الصهر الثقافي والإنكار والتعريب، تحول الخروج الجماعي بهذا الزي في صبيحة العيد إلى نوع من “العصيان المدني الصامت المبهج” وبيان سياسي ناطق بغير لسان، يؤكد للقاصي والداني استعصاء هذه الثقافة البصرية وعمق جذورها واستحالة تذويبها. ولا تقف هذه الفلسفة البنيوية عند حدود المكون الإسلامي السني الذي يشكل الغالبية الديموغرافية، بل إنها تعكس في جوهرها نموذجاً نادراً لما يمكن تسميته بـ “العلمانية الوجدانية القومية” والتعددية الروحية؛ فالكرد يتوزعون تاريخياً على خريطة عقائدية بالغة التنوع (مسلمون سنة وشيعة فيلية، إيزيديون، يارسانيون كاكائيون، علويون، ومسيحيون)، إلا أن الفلسفة الفكرية الكردية جعلت من العيد فضاء جغرافياً وإنسانياً عابراً للتمترس المذهبي، حيث يزحف الكوردي الإيزيدي والمسيحي لتهنئة جاره المسلم والمشاركة في مائدته ودبكاته، ويحدث العكس في أعياد الإيزيديين (كعيد جما أو رأس السنة الإيزيدية) وأعياد اليارسانيين، ليلتقي الجميع عند القواسم المشتركة للميثولوجيا الشرقية التي تقدس عناصر الطبيعة كالنور والماء وتؤكد على التطهير الداخلي، مترجمين عملياً الفكرة القائلة بأن “الدم والمصير الجغرافي والقومي فوق تباين المذاهب والمعتقدات”.

تتكامل هذه الأبعاد وتتوج بخضوعها لـ “وعي لغوي ومعرفي حاد” تصنعه النخب الفكرية والمؤسسات الثقافية الكوردية (سواء في أجزاء كوردستان أو في المهجر والشتات الأوروبي)، حيث تؤكد الأدبيات السياسية المعاصرة ودراسات إحياء التراث اللغوي (مثل دراسات جامعة إكستر البريطانية) أن التعبد وإلقاء خطب المعايدة وتبادل التبريكات باللغة الكوردية الأم وصون مصطلحاتها الأصيلة خلال أيام العيد هو واجب ديني وأخلاقي وإنساني ملزم لحماية اللسان القومي من الاندثار المعرفي وسط طوفان العولمة الرقمية وسياسات الطمس. ولقد صاغ كبار شعراء الكلاسيكية والحديثة الكردية (مثل الفيلسوف أحمد خاني، والشاعر بيره ميرد، وفايق بيكس) هذه الرؤية في قصائدهم التنويرية، مؤكدين لوعي الجماهير أن “العيد الحقيقي والبهجة السامية للأمة لا يتحققان كاملاً بإراقة الدماء وصناعة الحلوى فحسب، بل بزوال الظلم والقهر ونيل الشعوب حريتها واستقلالها الإنساني والسياسي وصون كرامتها على أرضها”. هذا الربط العضوي المحكم جعل من العيد في المنظور الفكري الكرودي الشامل محطة استراتيجية سنوية بالغة الأهمية، لا ينكفئ فيها المجتمع على مظاهر الفرح المؤقت، بل يستثمرها لشحن الطاقات المعنوية والنضالية، وترميم الشروخ الاجتماعية، وتأكيد الهوية، والانطلاق بعزيمة متجددة نحو صناعة مستقبل تسوده قيم الحرية، والعدالة، والسلام الإنساني الشامل.