مهند محمود شوقي
وسط سنوات طويلة من الأزمات التي عاشها العراق بعد عام 2003، تحولت الكهرباء إلى واحدة من أكثر القضايا التي أنهكت المواطن العراقي وأفقدته الثقة بالحكومات المتعاقبة. مئات مليارات الدولارات أُنفقت، وعشرات الوعود أُطلقت، لكن أغلب المدن العراقية لا تزال تعيش على وقع الانقطاع المستمر، فيما بقيت المولدات الأهلية جزءاً من الحياة اليومية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت تجربة إقليم كوردستان، بقيادة مسرور بارزاني، بوصفها واحدة من التجارب القليلة التي حاولت الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل.
ما يميز حكومة مسرور بارزاني ليس كثرة الخطابات السياسية، بل التركيز الواضح على المشاريع والخدمات والبنية التحتية، خصوصاً في قطاع الكهرباء الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مشروع استراتيجي متكامل داخل الإقليم. مشروع “روناكي” لم يكن مجرد خطة تقنية لتحسين الطاقة، بل رؤية اقتصادية وخدمية تهدف إلى إنهاء معاناة المواطنين مع الانقطاعات المزمنة، وبناء منظومة كهرباء مستقرة وحديثة قادرة على تلبية احتياجات المدن والقرى على مدار الساعة.
نجاح “روناكي” أعاد طرح سؤال مهم داخل العراق: كيف استطاع إقليم كوردستان أن يقترب من حل أزمة استعصت على بغداد طوال أكثر من عقدين؟ الإجابة لا تتعلق فقط بالإمكانات المالية، بل بطريقة الإدارة والقدرة على تحويل المشاريع إلى أولوية حقيقية. فالحكومة في أربيل تعاملت مع ملف الكهرباء باعتباره أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لأن أي عملية تنمية لا يمكن أن تستمر في ظل الظلام والفوضى والخسائر اليومية التي تسببها أزمة الطاقة. هذا التحول جعل تجربة الإقليم محط اهتمام متزايد لدى القوى السياسية العراقية، خصوصاً مع تصاعد الدعوات لنقل نموذج “روناكي” إلى بقية المحافظات العراقية. العراق اليوم لا يحتاج إلى حلول مؤقتة أو عقود استهلاكية جديدة، بل يحتاج إلى تجربة ناجحة أثبتت قدرتها على العمل على الأرض، وتجربة كوردستان في الكهرباء باتت واحدة من النماذج القليلة القابلة للتطبيق والتطوير على مستوى البلاد.
ومن هنا اكتسبت زيارة مسرور بارزاني الأخيرة إلى بغداد أهمية استثنائية، لأنها جاءت في لحظة يدرك فيها الجميع أن مستقبل العراق لا يمكن أن يُبنى على الخلافات الدائمة بين بغداد وأربيل، بل على التفاهم والشراكة والتوازن السياسي. الزيارة حملت رسالة واضحة مفادها أن الإقليم لا يسعى إلى التصعيد، بل إلى بناء علاقة مستقرة مع الحكومة الاتحادية تقوم على احترام الدستور وحل المشكلات العالقة بروح الحوار.
الملفات التي حملها مسرور بارزاني إلى بغداد لم تكن ملفات هامشية، بل تمثل جوهر الأزمة السياسية بين الطرفين منذ سنوات، بدءاً من المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، مروراً برواتب قوات البيشمركة، وصولاً إلى قانون النفط والغاز وملف الموازنة والصلاحيات الدستورية. هذه القضايا بقيت لسنوات سبباً دائماً للتوتر وعدم الاستقرار، لكن اللافت هذه المرة أن القوى السياسية العراقية بدت أكثر اقتناعاً بأن استمرار الخلافات لم يعد يخدم أحداً.
حديث القوى الشيعية والسنية عن أهمية الزيارة كشف عن تحوّل مهم داخل بغداد، حيث بات هناك إدراك متزايد بأن نجاح أي حكومة عراقية جديدة مرتبط بقدرتها على بناء تفاهم حقيقي مع إقليم كوردستان. ولهذا ينظر كثيرون إلى العلاقة بين مسرور بارزاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بوصفها فرصة لفتح صفحة مختلفة تقوم على التوافق بدلاً من الصدام، وعلى الشراكة بدلاً من سياسة فرض الإرادات.
خلال السنوات الماضية، حافظ مسرور بارزاني على خطاب يدعو إلى الحلول الدستورية والحوار السياسي، رغم التعقيدات المالية والسياسية التي واجهها الإقليم. هذا النهج جعل كثيراً من القوى العراقية تنظر إليه كشخصية تمتلك قدرة على تحقيق التوازن بين الدفاع عن حقوق كوردستان والحفاظ على استقرار العراق في الوقت نفسه.
العراقيون اليوم لا ينظرون فقط إلى أبراج أربيل الحديثة أو الطرق الجديدة أو المشاريع العمرانية، بل ينظرون إلى فكرة مختلفة في الإدارة؛ فكرة تقوم على أن الدولة يمكن أن تنجح عندما تتحول المشاريع إلى أولوية فعلية لا إلى شعارات انتخابية. ولهذا أصبح مشروع “روناكي” أكثر من مجرد مشروع كهرباء، بل نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه العراق إذا انتقلت تجربة التخطيط والتنفيذ من كوردستان إلى بغداد والعراق يمتلك الثروة والموارد والطاقات البشرية، لكنه يحتاج إلى إدارة تمتلك رؤية واضحة وإرادة تنفيذ حقيقية، ويحتاج أيضاً إلى شراكة سياسية مستقرة تُنهي سنوات الانقسام وتعيد الثقة بين مكوناته. ولهذا تبدو زيارة بغداد اليوم وكأنها فاتحة مرحلة جديدة، مرحلة يسعى فيها مسرور بارزاني مع حكومة علي الزيدي إلى المضي قدماً نحو بناء عراق اتحادي قوي، يقوم على التوازن واحترام الحقوق والتعاون بين بغداد وأربيل، لأن قوة العراق لن تتحقق بإضعاف كوردستان، كما أن استقرار كوردستان لا ينفصل عن استقرار العراق كله.