أبو صوفيا رزاق التميمي
نهر دجلة الخالد، نشأت على ضفافه، أولى الحضارات، على وجه البسيطة، ومنها اكتشف الانسان العراقي حروف الكتابة المسمارية، حضارة آشور وأكد وسومر وبابل، فتغنى بها الشعراء والهمت الفنانين والكتاب، ولعل قصيدة الجواهري، شاعر العرب الاكبر، شاهد على قولنا، التي جاء في مطلعها:
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا أم البساتينِ
حييت سفحك ظمئاناً الوذ به
لوذ الحمائم بين الماء والطين
فهل يستحق من صنع كل هذا المجد والخلود لنا، ان نترك مياهه تئن تحت مكب النفايات ومجاري الصرف الصحي التي تحمل المواد العضوية والكيميائية من مخلفات صناعية وزراعية، لتكون مصدر للأمراض، تنقلها مشاريع المياه التي كانت تخصص للشرب والاستعمال اليومي، من أمراض سرطانية وفشل كلوي وغيرها الكثير، بالأخص الأطفال وحديثي الولادة وكبار السن!
حيث تشير التقارير الى ان نسبة التلوث في مياه دجلة بلغ 90% (حسب تقارير وزارة البيئة)، ومن الطبيعي ان هذه النسبة في تزايد مستمر، مع ارتفاع درجات الحرارة وشحة المياه في فصل الصيف؟
حيث تتزايد الملوثات كلما اتجهنا جنوب بغداد باتجاه محافظات واسط وميسان وذي قار والبصرة التي تزايدت بها نسبة التلوث بشكل طردي ومباشر .
ومن هنا صار من الواجب معرفة المسبب لتسليط الضوء على الحلول الممكنة.
اذ تعد أبرز الأسباب التي تسبب تلوث نهر دجلة هي:
– المسبب الأكبر والأخطر هو مياه المشاريع الصناعية والطبية: حيث تحمل نفايات غير معالجة مليئة بالمواد الكيميائية والعضوية الى مجرى النهر، منها، مشاريع الكهرباء واستخراج النفط والمستشفيات وما تحمله من مواد عضوية ناقلة للمرض والعدوى بشكل مباشر.
– شبكات المجاري ومياه الصرف الصحي: حيث تصرف منذ عام 2003 ملايين الأمتار المكعبة من المياه الملوثة مباشرة الى النهر بسبب تعطل اغلب مشاريع المجاري وعدم وجود صيانة او تصليح لها.
– نهر ديالى: يعد أحد الأسباب المباشرة لتلوث نهر دجلة بسبب انخفاض مستوى مياهه في مواسم الجفاف، وتحوله الى مكب للنفايات، ومجرى لمياه البزل وما تحمله من مواد كيمياوية خطيرة ومؤثر مباشر على صحة الانسان والكائنات المائية.
وبالتالي تعد المياه الملوثة، المسبب المباشر للعديد من الامراض واعراض صحية وبيئية خطيرة منها:
– احد اهم المشاكل والاخطار هو تلوث مياه الشرب التي تصل الى المساكن مباشرة من مشاريع المياه بما تحويه من مواد عضوية وكيميائية تعد المسبب الرئيس لأمراض السرطان وامراض الكبد والعجز الكلوي، وامراض معوية وجلدية في حال استخدام المياه للاستحمام والمسبب يكون ارتفاع نسب المعادن الثقيلة، حيث أكدت بعض المصادر ان سكان الجنوب يشربون المياه الملوثة بمياه المجاري منذ عقود!
– نقص الاوكسجين المذاب في الماء بسبب ارتفاع نسب المواد العضوية التي تؤدي الى نمو البكتريا اللاهوائية المنتجة للغازات السامة مثل الميثان وكبريتيد الهيدروجين والطحالب والبكتريا الهوائية على سطح الماء والتي تستهلك الاوكسجين وبالتالي تؤدي الى نفوق الأسماك والكائنات التي تتغذى عليها وهذا بالتالي يسبب ازمة غذائية واقتصادية.
وأخيرا أترك للقارئ حق التصور عما تؤول اليه مياه دجلة في فصل الصيف، في حال نقص واردات المياه من الدول المجاورة والتبخر مما يزيد فرصة تركيز الملوثات وتوفر الظروف المثالية لتكاثر البكتريا واستمرار رمي النفايات في النهر بدون معالجة؟