التقديس والقداسة: من أداة للفهم إلى أداة للهيمنة

سمير السوره ميري

حين يتحول العقل إلى معبد، وتفقد الفكرة وظيفتها الأولى بوصفها أداة للفهم، وتتحول إلى سلطة تُخضع الإنسان بدل أن يُخضعها، فالفكرة في أصلها وسيلة لقراءة الواقع ونقده، لكنها حين تُقدَّس تُجرد من قابليتها للمراجعة، وتُرفع فوق التجربة، فيستبدل الواقع بالنص والتفكير بالتسليم.
لقد نشأت بعض التيارات الفكرية، كالماركسية بوصفها قراءة نقدية للتاريخ، غير أنها في تجارب عديدة اِنغلقت على ذاتها، فتحولت من منهج نقدي إلى عقيدة جامدة، خاصة عندما تحولت الماركسية إلى أيديولوجيا حزبية، حدث إنتقال تدريجي من منهج نقدي إلى نص شبه مقدس، ليصبح التأويل مقدما على الواقع وفوق التجربة، والتضحية بالحياة الكريمة مبررة باسم “الضرورة التاريخية”، يُختزل الإنسان إلى وسيلة في آلة أيديولوجية، ويغدو القمع فعلا تحت غطاء الفكرة، وتحولت النصوص المنظرة إلى مرجع مقدس لا يُناقش أحيانا، وأُضيفت هالة العصمة على قادتها، والخروج عن خط الفكري يعد اِنحرافا أو خيانة، رغم أن الجمود الفكري عند ماركس نفسه كان مرفوض.
ولا يختلف الأمر كثيرا في بعض أشكال القومية الضيقة، التي بدأت تعبيرا عن الإنتماء والرغبة في التحرر، ثم تحولت إلى أتساق إقصائية ترى في الاِختلاف تهديدا، وفي الآخر خيانة، هنا ينتقل التقديس من الفكرة إلى رمز ومن معنى إلى شعار، فتتشكل قدسية جوفاء تُغذيها الأوهام الجماعية وتُحافظ عليها.
أما ذروة التقديس فتتجلى حين لا يكتفي الحاكم بتقديس الفكرة أو الرمز، بل يسعى إلى تقديس ذاته عبر إعادة تشكيل الواقع بما يوافق إرادته، وفي هذه اللحظة يلغى الفكر، ويصادر السؤال ويستبدل الإقناع بالإيمان القسري، وهنا يصبح التقديس أداة سياسيا صريحة، لا علاقة لها بالمعنى الروحي، بل بوظيفة السيطرة وإعادة إنتاج الطاعة.
التاريخ الإنساني حافل بنماذج هذا النمط، فقد ارتبطت حضارات قديمة بفكرة ألوهية الحاكم أو نيابته الإلهية، حيث لم يكن الحاكم مجرد فرد بل وظيفة مقدسة تُحاط بهالة من الشرعية التي لا تُمس، لم يكن التقديس دينيا خالصا، بل كان سياسيا في جوهره، يُراد به إخضاع العقول وتحصين السلطة ضد النقد، ومن ثم بدأ الحاكم جزءا من النظام الكوني، لا يستقيم العالم بدونه، فبدت تلك المجتمعات قوية في ظاهرها لكنها كانت هشة في بنيتها، سرعان ما تنهار عند أول اِختبار حقيقي.
إنّ الخطر لا يكمن في وجود الحاكم بل في رفعه فوق مرتبة الإنسان، وتحويله إلى كيان مقدس، عنئذ يفقد الإنسان حريته، ويُعاد تشكيل وعيه الجمعي، ليدرك العالم من خلال صورة واحدة مفروضة عليه، وهنا يظهر ما يمكن تسميته “الوعي المُوجَّه”، حيث تُصاغ أفكار الأفراد عبر مؤسسات مؤدلجة كالأعلام والتعليم ، فيظن الإنسان أنه يفكر بحرية، بينما هو في الحقيقة يعيد ما زرع فيه.
حين تتحول العقيدة السياسية إلى عقيدة إيمانية تنتقل الشرعية من ميدان الإنجاز إلى ميدان القداسة، فلا يعود السؤال: هل نجح الحاكم ؟ بل كيف نُثبت أنه على حق، وفي هذا الاِنزياح تُقاس السلطة لا بثمارها، بل بهالتها، ويُستبدل معيار الفاعلية بمعيار العصمة.
إنّ الأنظمة التي تمنع النقد تحرم نفسها من أدوات التصحيح، وتؤسس لجمود الفكر، فالتقديس لا يعيش إلا في بيئة يُقمع فيها السؤال، وتُغلق فيها أبواب المراجعة، أما المجتمعات الحية فتقيس شرعيتها بقدرتها على تحقيق حياة كريمة، ومواكبة التطور، والاِنفتاح على النقد بوصفه شرطا للنضج لا تهديدا له.
ولا يقتصر هذا النمط على السياسة، بل يمتد إلى الحقول الفكرية والدينية، حيث تُصنع هالات حول أشخاص أو مدارس، تُمنع مساءلتهم أو نقدهم، ومع الزمن يتشكل خوف نفسي واِجتماعي من المساس بهذه المقدسات، فيتحول الأتباع إلى حُراس لها، لا بدافع القناعة الحرة، بل بدافع الخوف من فقدان الإنتماء أو المكانة، وهكذا يُعاد إنتاج التقديس جيلا بعد جيل، لا بوصفه حقيقة بل بوصفه عادة ذهنية متوارثة.
في هذا السياق تكسب مقولة فولتير دلالة عميقة: إذا أردت أن تعرف من يتحكم بحياتك، فانظر إلى من لا تستطيع اِنتقاده، فالمقدس الزائف لا يعرف بما يُعلن، بل يُمنع الإقتراب منه، إنّ تقديس غير المقدس كان عبر التاريخ أحد أهم أسباب التخلف والتعصب، فهو لا يكتفي بتعطيل العقل، بل يُحول الخطأ إلى يقين، والاِنحراف إلى عقيدة، ويغلق الطريق أمام أي محاولة للإصلاح، لذلك تحصين الوعي لا يكون بهدم الإيمان، بل بفك الاِرتباط بين الإيمان والتقديس الزائف، وبإعادة الاعتبار للعقل النقدي بوصفه شرطا للحرية.
في النهاية ليست المشكلة في أن يؤمن الإنسان، بل في أن يتخلى عن حقه في السؤال، فحين يُحرم التفكير، يبدأ الاِنحدار، وحين يُستعاد تبدأ النهضة.

قد يعجبك ايضا