د. جوتيار تمر
اقليم كوردستان
لم يعد السؤال في العراق: من يشكل الحكومة؟ بل: هل ما تزال الدولة قادرة على إنتاج حكومة تمتلك قرارها الفعلي؟ فمنذ انتخابات تشرين الثاني 2025، لم يعد الانسداد السياسي مجرد تعثر إجرائي في توزيع الحقائب الوزارية، بل بات يعكس أزمة بنيوية عميقة في نموذج الحكم نفسه. لقد كشفت الأحداث أن “الديمقراطية التوافقية” التي طرحت بوصفها صيغة لإدارة التنوع، تحولت تدريجيا إلى آلية لإدارة الفراغ وتعطيل المؤسسات أكثر من كونها وسيلة لبناء الدولة.
إن وصول نزار ئاميدي إلى سدة الرئاسة، وتكليف علي الزيدي في نيسان 2026، لم يكن انتصارا لبرنامج سياسي متكامل بقدر ما كان “تسوية ضرورة” لتجنب انهيار أوسع للمنظومة أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة؛ وفي ظل هذا المشهد، يبدو العراق، بكل مكوناته ومناطقه، عالقا داخل شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية التي تحد من قدرة أي حكومة على إنتاج قرار مستقل بالكامل.
ويأتي تكليف رجل الأعمال علي الزيدي بوصفه تحولا في شكل السلطة أكثر من كونه تحولا في بنيتها؛ إذ تحاول القوى التقليدية تقديم “وجه اقتصادي” قادر على امتصاص الغضب الشعبي والتعامل مع القيود الدولية المتزايدة على حركة الأموال؛ لكن الثغرة الجوهرية تبقى قائمة: هل تملك الحكومة الجديدة صلاحيات فعلية لفك ارتباط الاقتصاد بشبكات المصالح الحزبية؟؛ فاستمرار الاعتماد على الريع النفطي لتغذية الإنفاق التشغيلي، خصوصا الرواتب، يجعل أي مشروع إصلاحي مهددا بالاصطدام المباشر مع منظومات النفوذ المالي والسياسي التي تشكلت خلال السنوات الماضية؛ كما أن الاقتصاد الموازي، المرتبط بمراكز القوى والسلاح والنفوذ الإداري، بات يشكل عبئا إضافيا على فكرة الدولة نفسها. ولذلك، فإن الأزمة العراقية لم تعد مجرد أزمة حكومة، بل أزمة نموذج اقتصادي وسياسي أنتج طبقة واسعة من المستفيدين من بقاء الدولة في حالة هشاشة دائمة.
إن استقرار “نصاب الثلثين” الذي جاء بـ نزار ئاميدي رئيسا للجمهورية، يعكس تفاهمات سياسية هشة بين بغداد وأربيل – السليمانية -، خصوصا في ما يتعلق بملفات النفط والغاز والرواتب والصلاحيات الإدارية، غير أن هذه التفاهمات تبقى رهينة التوازن الإقليمي بين طهران وواشنطن، حيث تحاول كل جهة الحفاظ على نفوذها داخل بنية النظام العراقي، وفي هذا السياق، لا تبدو أزمة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم مجرد خلاف إداري أو مالي، بل جزءا من أزمة الدولة العراقية بعد 2003، حيث ظل مفهوم الشراكة السياسية خاضعا لمنطق التسويات المؤقتة أكثر من خضوعه لرؤية دستورية مستقرة.
ومع ذلك، فإن استمرار ضعف الدولة لا يهدد بغداد وحدها، بل يهدد مجمل الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق والاقليم، بما في ذلك العلاقة بين مكوناته المختلفة، في بلد ما يزال يبحث عن صيغة متوازنة لإدارة تنوعه التاريخي المعقد.
وتبقى المعضلة الأخطر أمام حكومة الزيدي هي تمدد “الدولة الموازية”؛ فالسلاح لم يعد مجرد قوة أمنية خارج مؤسسات الدولة، بل تحول تدريجيا إلى شبكة مصالح اقتصادية وإدارية وسياسية قادرة على التأثير في القرار العام، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ إذ إن أي محاولة لحصر السلاح ستصطدم بحقيقة أن كثيرا من القوى السياسية باتت تنظر إلى هذا السلاح بوصفه ضمانة للاستمرار والنفوذ داخل النظام نفسه؛ لذلك، تبدو المعادلة الحالية أقرب إلى “تأجيل الصدام” منها إلى حل جذري للمشكلة، الأمر الذي يبقي الدولة معلقة في منطقة رمادية بين سلطة القانون ومنطق الأمر الواقع.
كما أن المواطن العراقي، الذي يواجه أزمات الخدمات والبطالة وتراجع الثقة بالمؤسسات، لم يعد معنيا كثيرا بخطابات الانتصار السياسي، بقدر اهتمامه بوجود دولة قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار وفرص الحياة، فالعراقي الذي ينتظر ساعات طويلة للحصول على الكهرباء، أو يبحث عن وظيفة خارج شبكات الولاء الحزبي، لم يعد يرى في تبدل الوجوه السياسية ضمانة حقيقية للتغيير ما لم ينعكس ذلك على حياته اليومية بصورة ملموسة.
يقف العراق اليوم أمام اختبار تاريخي يتجاوز حدود تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب، فإما أن تنجح حكومة علي الزيدي في الانتقال التدريجي من منطق المحاصصة إلى منطق الإدارة والمؤسسات، عبر إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية وايجاد حل جذري مع الاقليم، أو أن يستمر التآكل البطيء لهيبة الدولة وثقة المجتمع بها.
إن الاستمرار في سياسة “ترحيل الأزمات” لن ينتج سوى انسدادات أكثر تعقيدا في المستقبل، خصوصا في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتراجع ثقة الشارع بالعملية السياسية، ومع ذلك، فإن إمكانية الخروج من هذا المأزق ما تزال قائمة، لكنها تتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الفئوية الضيقة نحو إعادة تعريف فكرة الدولة بوصفها إطارا اتحاديا جامعا لجميع العراقيين، فالعراق اليوم لا يقف فقط عند حافة أزمة سياسية، بل عند حدود اختبار تاريخي بين دولة تتآكل ببطء، ومجتمع لم يفقد بعد رغبته في النجاة.