لماذا يتجاهل إقليم كردستان دول المغارب العربي (الأفريقية)؟

الباحث الحقوقی رنج باراوی*

عندما ننظر بعمق وعين نقدية وتحليلية إلى الخارطة العامة للعلاقات الدولية والأجندة الدبلوماسية لحكومة إقليم كردستان، يواجهنا سؤال جوهري، استراتيجي ومثير للتأمل: لماذا لم يتمكن المجال الدبلوماسي، الرسمي والثقافي لإقليم كردستان حتى الآن من تأسيس موطئ قدم قوي، مؤثر ومستدام في القارة الأفريقية، وتحديداً في دولة تونس؟

يكتسب هذا السؤال وزناً أكبر عندما نعلم أن جمهورية تونس تُعد تاريخياً، جغرافياً وسياسياً قلب دول المغارب العربي النابض. فقد قدمت تونس، منذ تحولاتها السياسية، نموذجاً فريداً ورائداً في مفهوم المواطنة، مبادئ سيادة القانون، وهيبة الدستور، بحيث أصبح نموذجها تجربة ديمقراطية وقانونية فريدة من نوعها في القارة الأفريقية والعالم العربي بأسره.

إن حكومة إقليم كردستان، وفي إطار برنامجها وخطابها الاقتصادي والدولي، تؤكد دائماً على أهمية تطوير والاستثمار في قطاعات التعليم العالي، التبادل العلمي، وقطاع السياحة. لكن من المؤسف أنه على الرغم من هذا التوجه، لم تضع الجهات الرسمية ولا المراكز الاستراتيجية خطة وبرنامجاً لاتخاذ خطوات عملية وفعالة نحو دول المغارب العربي (تونس، الجزائر، موريتانيا، والمملكة المغربية).

تتمتع هذه المنطقة بثقل سياسي، بشري، قانوني وثقافي كبير ومؤثر جداً في المحافل الدولية، منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية. وبلا شك، لو تم تركيز الاهتمام الدبلوماسي على هذه المنطقة، لتمكنا من بناء أكبر وأقوى لوبي وطني في هذه الدول للتعريف بالقضية العادلة للشعب الكردي ودعم الكيان الدستوري لإقليم كردستان.

أولاً: العقدة الفكرية ونظرة المجتمع المغاربي للكرد

لتحليل هذه المعادلة المعقدة بشكل صحيح، من الضروري أولاً دراسة الواقع التاريخي: كيف كان المواطنون، النخبة الثقافية، الأكاديميون، وحتى الأوساط السياسية في تلك الدول يختزلون الكرد وكردستان في السابق؟ كيف كانت نظرتهم إلى تاريخ انطلاق ثورة التحرر الكردية، تضحيات شعبنا، عملية تأسيس حكومة إقليم كردستان، وهذا الكيان الدستوري والشرعي القائم في إطار الدولة العراقية؟

من خلال خبرتي الميدانية والعملية التي امتدت لـ (10) سنوات كاملة في تفعيل وتطوير العلاقات على مستوى رئاسة “معهد إصلاح النظام الجنائي في كردستان” مع الشخصيات البارزة، منظمات المجتمع المدني، والشخصيات الدبلوماسية، الفكرية والحكومية من شمال جمهورية تونس إلى أقصى جنوبها، تجلت لي حقيقة مريرة لا يمكن إنكارها:

غياب القضية الكردية: اتضح لي أن قضية الكرد وكردستان والتجربة السياسية الفريدة لإقليم كردستان لم تكن غائبة فحسب عن أجندة اهتماماتهم اليومية، بل على العكس تماماً؛ فبسبب البعد الجغرافي، الركود وغياب الدبلوماسية الرسمية للإقليم، وضعف العلاقات العامة الدولية، كان هناك فهم غامض، ضبابي، وفي كثير من الأحيان سلبي تجاه نضال التحرر الكردي.

التضليل الإعلامي المعرفي: انعكست هذه الأفكار المضللة بشكل أكبر على مستوى بعض وسائل الإعلام والمؤسسات المدنية، والتي كانت تُعرّف الكرد كقوة مناهضة للعرب أو كحركة قومية متعصبة، دون دراية بالحقائق. وبسبب الانقطاع المعرفي وغياب القنوات المباشرة، لم يكن لدى المجتمع المغاربي رأي إيجابي وصحيح عن الفرد، الشخصية، والثقافة الكردية.

ثانياً: الدبلوماسية الأكاديمية: كسر العزلة وتفكيك العقد

في ظل هذا الوضع الذي افتقرت فيه القنوات الرسمية لأي حضور، برزت حاجة ملحة لدبلوماسية مدنية وأكاديمية لكسر هذه العزلة. وبصفتي أول ناشط وباحث كردي، عندما نلت الثقة من قِبل “مجلس التعاون العلمي العربي” – الذي يُعد أحد أقوى المؤسسات الأكاديمية وأكثرها موثوقية وثقلاً على مستوى الجامعات الحكومية في المنطقة – وتم تعييني رئيساً فخرياً لمؤتمرين دوليين خاصين بالمجلس، شكّل ذلك نقطة تحول تاريخية واختصاراً لتلك الطريق الطويلة والشاقة التي قضيت سنوات وأنا أجهد فيها بمفردي.

أصبح هذا الموقع الأكاديمي الرفيع بوابة ذهبية ومنصة نادرة مكنتني من بناء لۆبي خاص ومؤثر لإقليم كردستان. ومن خلال هذه المنصة، استطعت بأسلوب علمي، قانوني وتاريخي، الإجابة على جميع الأسئلة الحائرة التي كانت تدور في أذهان النخبة العربية، وتفكيك كافة العقد الفكرية المعقدة لدى المشاركين في المؤتمرات، وإظهار الصورة الحقيقية لكردستان.

ثالثاً: الإعلام والمؤسسات التاريخية: غرس بذور اللوبي الكردي

لم تقتصر خطواتي لبناء هذا اللوبي على قاعات الجامعات فحسب، بل انتقلت إلى المراكز الثقافية والإعلامية الهامة في تونس. وكان العمل والمشاركة في الندوات والاجتماعات في قلب “مدينة الثقافة التونسية”، وتحديداً داخل “مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات” (التي تعد أكبر وأهم مركز للبحوث التاريخية والأرشيفية في شمال أفريقيا)، بمثابة نقطة التحول الحقيقية.

هذا الإنجاز كان مبعث سعادة غامرة لي كباحث كردي؛ فبفضل إلمامي ومعرفتي العميقة بتاريخ جمهورية تونس، دستورها، قوانينها، وأعراف وعادات مجتمعها، تمكنت من بناء ثقة عميقة لديهم. وكان هذا الفهم الثقافي هو المفتاح لتفكيك أكبر العقد الفكرية والسياسية، وكسب تعاطف أصدقائي التونسيين من برلمانيين، ناشطين مدنيين، وإعلاميين بارزين في هذا البلد.

وفي هذا السياق، لا بد لي من الإشادة بالدور الاستراتيجي والمخلص لإحدى الإعلاميات التونسيات القديرات والمتميزات ، التي كانت عوناً كبيراً ومكملاً هائلاً في عملية التعريف بالقضية الكردية. فبفضل جهودها، تم تخصيص برنامجين تلفزيونيين مطولين ومطروحين بشكل خاص للتعريف بالكرد وإقليم كردستان للمشاهدين في تونس وكافة دول المغارب العربي. وفي تلك البرامج، مُنحت فرصة نادرة لأظهر على الشاشات بكل فخر واعتزاز باللغة والأزياء الكردية الأصيلة، لأتحدث مباشرة إلى العالم العربي.

وكان لهذا الظهور تأثير السحر؛ إذ تمكن المشاهدون والمستمعون في تونس والمغارب العربي من خلال هذه النافذة الإعلامية من فتح كافة الأبواب الفكرية المغلقة التي كانت تحت تأثير الدعاية السلبية ضد الكرد وحكومة الإقليم، حيث اتضح وتأكد لهم ما يلي:

إن الازدهار والتطور في إقليم كردستان يمر بأعلى مستوياته.

وجود تعايش سياسي وقومي، وأن التسامح الديني والمذهبي ركيزة ثقافية راسخة لدى هذا الشعب.

لا وجود لأي نوع من التطرف، العنصرية أو التعصب القومي من قِبل الكرد ضد الأمة العربية، بل إن الكرد مدافعون دائماً عن حقوقهم الإنسانية والدستورية.

رابعاً: الملاحظات الميدانية والنتيجة: الحاجة إلى ثورة إعلامية ودبلوماسية

إن التجربة العملية والميدانية التي جمعتها على مدار السنوات العشر الماضية في شمال أفريقيا تخبرني بحقيقة راسخة ومهمة: وهي أن مواطني القارة الأفريقية عموماً، ومنطقة المغارب العربي خصوصاً، يعيشون في فراغ معرفي كبير، وهم بحاجة ماسة إلى ثورة إعلامية، ثقافية ودبلوماسية كبرى من جانبنا، لكي يتمكنوا من فهم الجوهر الحقيقي للقضية الكردية والتقدم الحاصل في إقليم كردستان. فقط من خلال هذه الثورة التوعوية يمكن تغيير كافة المواقف والأفكار السلبية التي نُشرت في الماضي ضد الكرد، وتحويلها تماماً إلى رؤية إيجابية، متعاطفة وداعمة.

من هذا المنطلق، وتغليباً للمصلحة الوطنية العليا، أعلن بصفتي رئيساً لمعهد إصلاح النظام الجنائي في كردستان، ومستنداً إلى شبكة العلاقات الدولية القوية والخبرة العميقة التي اكتسبتها في هذه السنوات العشر، عن استعدادي التام لتقديم مشروع ومقترح وخارطة طريق استراتيجية شاملة وعلمية أمام سيادة رئيس حكومة إقليم كردستان؛ بهدف صياغة خطة وطنية لتفعيل الدبلوماسية الرسمية، الأكاديمية والإعلامية في دول شمال أفريقيا، لنتمكن معاً من فتح تلك الأبواب المغلقة والوصول بالمكانة الدبلوماسية والدستورية لإقليم كردستان إلى أعلى المستويات على الصعيدين العربي والدولي.

وإن قناعتي الأخيرة والراسخة في هذا المجال – والتي تبلورت بعد نقاش ومداولات عميقة ومكثفة مع صديقي العزيز الأستاذ (ياسر بن مصباح)، الخبير الإعلامي الأمني التونسي المعروف والمتحدث الرسمي السابق لوزارة الداخلية التونسية – تتلخص في تقديم خدمة لحكومة إقليم كردستان من خلال تنظيم عملية استضافة كبار الخبراء الإعلاميين، الأكاديميين والمفكرين من تونس وعموم دول المغرب العربي إلى إقليم كردستان؛ لكي نتمكن معاً، ومن أرض الواقع داخل الإقليم، من صياغة استراتيجية إعلامية وطنية رصينة تعرّف بإقليم كردستان بوجهه الحقيقي والمزدهر، وتفتح صفحة جديدة في تاريخ الدبلوماسية الكردية.

*رئیس معهد الاصلاح الجنائی کوردستان العراق

قد يعجبك ايضا