نبيل خالد ملف
لم يعد المشهد السياسي العراقي محصوراً في هموم الشرق الأوسط التقليدية أو في العلاقة الثنائية مع الغرب. ففي صمت مهنيء، بدأت بوصلة بغداد تتجه نحو القارة الأفريقية، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية واقتصادية عميقة. هذا التوجه، الذي تتسارع خطاه مدعوماً بلقاءات دبلوماسية مكثفة وتوقيع اتفاقيات، يعكس إدراكاً عراقياً جديداً بأهمية أفريقيا كساحة منافسة عالمية ومصدر للأمن الغذائي والطاقوي.
أولاً: أبعاد اقتصادية وطاقوية: تنويع مصادر الدخل والعبور
يبدو البعد الاقتصادي الأكثر وضوحاً في هذا التقارب، فبينما يبحث العراق عن أسواق جديدة لمنتجاته وفرص للاستثمار، تقدم أفريقيا إمكانيات هائلة في مجالات البنية التحتية والتعدين، فقد ناقشت بغداد مع الرباط سبل تعزيز التعاون في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية، بما في ذلك إمكانية استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، مما يساهم في تسهيل حركة التجارة وربط الأسواق، لكن اللافت هو البعد المتعلق بالأمن الطاقوي إذ تسعى العراق، التي تعتمد بشكل كبير على ممرات مائية شديدة التوتر، إلى إيجاد بدائل آمنة لصادراتها النفطية. في هذا السياق، تبرز أفريقيا كطريق بديل حيوي، حيث تشير التحليلات إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية في مضيق هرمز دفعت العراق ودول الخليج إلى التطلع نحو أفريقيا، وتحديداً موانئ البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، مشروع إعادة تشغيل خط أنابيب من البصرة إلى ميناء ينبع السعودي، ومنه إلى أوروبا عبر قناة السويس، هو تجسيد لهذه الرؤية التي تجعل من أفريقيا ممراً عبورياً استراتيجياً.
ثانياً: زخم سياسي غير مسبوق: لقاءات واتفاقيات
يشهد العام 2026 زخماً دبلوماسياً غير مسبوق بين العراق وعدد من العواصم الأفريقية. فمنذ مطلع العام، ضاعفت بغداد جهودها لبناء شراكات مؤسسية راسخة. فمع ليبيا، تم الاتفاق على تفعيل عمل اللجنة المشتركة وتقديم مذكرة تفاهم لتأطير التعاون الثنائي في مجالات الخدمة المدنية والتطوير الإداري. كما امتدت يد العراق نحو تونس، حيث ناقش الطرفان تطوير العلاقات الاقتصادية وتبادل الخبرات في مكافحة الفساد. وحتى في المجال العسكري، كان للعراق حضور، حيث أبرمت وزارة الدفاع اتفاقية تعاون مع نظيرتها الصومالية على هامش معرض ديمدكس 2026، هذا التنوع في مجالات التعاون (من النقل مع المغرب، إلى مكافحة الفساد مع تونس، إلى الشأن العسكري مع الصومال) يؤكد أن التوجه الأفريقي ليس مجرد علاقات بروتوكولية، بل استراتيجية شاملة.
ثالثاً: تحديات وفرص: نحو شراكة متكافئة
رغم هذا التفاؤل، فإن الطريق أمام العراق طويل، فالتحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه الاتفاقيات الإطارية إلى مشاريع ملموسة على الأرض، لطالما عانى العراق من بطء تنفيذ مذكرات التفاهم، ويمثل التعامل مع البيروقراطية في بغداد والمسافات الجغرافية مع أفريقيا تحدياً لوجستياً كبيراً، إلا أن الفرصة ما زالت قائمة، فالدعم المتبادل على الساحة الدولية، كما ظهر في تنسيق المواقف بشأن القضايا العربية والإسلامية، يخلق أرضية مشتركة للثقة، ويمكن للعراق أن يستفيد من خبرة دول مثل مصر وتونس في التحول الديمقراطي وإدارة الحوار الوطني، مقابل تقديم خبرته في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار التي اكتسبها خلال حربه ضد الإرهاب.