…هكذا ينبحون فقط

عرفان الداوودي

لا يخفى على العراقيين جميعاً، أنّ بين فترةٍ وأخرى تندلع معارك مسلّحة بين بعض العشائر في جنوب العراق، تُستخدم فيها المدافع والقاذفات والهاونات والأسلحة الثقيلة، فتُروَّع المدن ويُهدَّد أمن المواطنين الأبرياء. ونسمع أيضاً عن اعتداءات على مدارس ومستشفيات ومؤسسات الدولة، وآخرها ما جرى قرب أمانة بغداد في قلب العاصمة، فضلاً عن تجاوزات بعض المسؤولين والسياسيين والبرلمانيين على القانون والنظام والمرور، وانتشار العصابات والجريمة المنظمة.

لكنّ المثير للاستغراب أنّ كثيراً من الفضائيات والمنصات وصفحات التواصل الاجتماعي، ومعها بعض المتملقين والمأجورين، يختفون ويدخلون جحورهم عند وقوع تلك الأحداث، فلا نرى لهم صوتاً ولا موقفاً، وكأنّ ما يجري لا يعنيهم.

وفي المقابل، عندما تحدث مشكلة بسيطة في إقليم كوردستان، كشجار بين عشيرتين في مخمور، أو قيام بعض الشباب بالاعتراض على رمي النفايات في الشارع من قبل مجموعة من السائحين، نرى تلك الأصوات نفسها تخرج فجأة لتنفخ في نار الفتنة وتضخّم الأمور وكأنّ البلاد على شفير حرب.

وفي الحادثة الأخيرة، قامت قوات الأسايش باعتقال الشباب الذين حاولوا التصرف بأنفسهم، وأوضحت لهم أنّ محاسبة المخالفين من واجب القانون والدولة، وليس من حق الأفراد. أي أنّ المؤسسة الأمنية تعاملت وفق القانون، لا وفق الانتقام أو الفوضى.

لكن رغم ذلك، خرج بعض السياسيين والبرلمانيين والمنصات المأجورة بخطابات تحريضية، يرفعون شعارات الوطنية الزائفة، ويهددون ويتوعدون، وكأنّهم أوصياء على الوطن، بينما هم في الحقيقة لم يقدموا شيئاً لمناطقهم ولا لشعوبهم سوى الصراخ أمام الكاميرات.

الوطنية ليست شعارات تُقال عند الأزمات، ولا تهديدات تُطلق لإثارة الشارع، بل هي احترام القانون، وخدمة الناس، والحفاظ على السلم المجتمعي، والوقوف مع الحقيقة أينما كانت، لا بحسب المصلحة والهوى.

أما الذين يظهرون فقط عند أي حدث في كوردستان ليحرّضوا ويشتموا ويثيروا الفتن، ثم يصمتون أمام الدم والفوضى والفساد في أماكن أخرى، فهؤلاء لا يبحثون عن وطن، بل عن ضجيج ومكاسب رخيصة.

ويبقى العراق أكبر من أصوات الفتنة، وستبقى الأخوّة بين العرب والكورد وأبناء جميع المكونات أقوى من كل الذين ينبحون من خلف الشاشات .

قد يعجبك ايضا