من الواقعية السياسية إلى المسؤولية الأخلاقية

نبيل خالد مخلف – باحث سياسي

لم يعد من المنطقي أن نتعامل مع الشخصيات التي تتسلم المناصب الحكومية بمنطق الاستغراب أو الأحكام المسبقة، كما لا يصح اختزال كفاءة الأفراد بما تحمله الأوراق والسير الذاتية فقط، فالإدارة والقدرة على الإنجاز وصناعة القرار هي المعيار الحقيقي لإثبات النجاح، بينما تبقى الفرصة حق مشروع ينبغي أن يكون متاح للجميع.

وعلى المستوى الشخصي، لا أجد في المشهد الحالي ما يدعو إلى الدهشة، فالعراق مر خلال العقود الماضية بتجارب أكثر غرابة وتعقيد، حتى بات المجتمع معتاداً على التحولات غير المتوقعة. لذلك فإن جوهر المسألة لا يكمن في الأسماء بقدر ما يكمن في القدرة على إنتاج دولة فاعلة تمتلك إدارة حقيقية ورؤية واضحة.

أما ما يُثار بشأن لغة وفصاحة السيد رئيس الوزراء، فأراه أمراً طبيعياً إلى حدٍ كبير، إذ إن الوقوف أمام ملايين الناس وتحمل مسؤولية دولة بأكملها ليس بالاختبار السهل لأي شخصية، ومن الطبيعي أن يرافق البدايات شيء من التردد أو عدم التوفيق الكامل في الخطاب، غير أن التجربة السياسية، والاحتكاك المستمر، وتراكم الخبرة، كفيلة بأن تمنح الخطاب مزيداً من الاتزان والحضور.

وفي ما يتعلق بالكابينة الوزارية، فقد لا ترقى إلى سقف التطلعات الشعبية أو النخبوية، لكن تشكيل حكومة تمتلك صلاحيات كاملة يبقى أفضل من استمرار حالة الشلل السياسي والإداري التي عاشتها الدولة خلال الأشهر الماضية، حيث انحصرت أغلب القرارات ضمن إطار تصريف الأعمال، وهي حالة لم تُنتج حلولاً حقيقية بقدر ما أثقلت كاهل المواطن، ومن هنا تبرز أهمية استعادة القرار التنفيذي الفاعل، حتى وإن كانت التجربة بحاجة إلى مراجعة وتقويم مستمر.

إقليمياً ودولياً، يبدو أن هناك قدراً من القبول تجاه حكومة الزيدي، وهي نقطة يمكن البناء عليها إيجابياً في إعادة ترميم موقع العراق الخارجي. لكن في المقابل، المرحلة المقبلة تتطلب وعياً أعمق بطبيعة التحولات الدولية، وإدراكاً بأن حصر السياسة الخارجية ضمن إطار الشرق الأوسط لم يعد كافياً لتحقيق المصالح العراقية، فالعراق اليوم أمام فرصة استراتيجية لإعادة التموضع والانفتاح على فضاءات أكثر تأثيراً وحيوية، سواء في أفريقيا أو آسيا أو المجالات الاقتصادية العالمية الصاعدة، بما ينسجم مع موقعه وإمكاناته وطموحه كدولة محورية في المنطقة.

قد يعجبك ايضا