رسالة كوردي إلى حكومة السيد علي الزيدي.. وللتاريخ إلى السيد دولة رئيس الوزراء علي الزيدي المحترم

أ.د.خليل مصطفى عثمان

نهنئكم ونبارك لكم نيل ثقة الشعب وتوليكم رئاسة الوزراء في هذه اللحظة التاريخية المثقلة بالتحديات والآمال. إن وصولكم إلى سدة المسؤولية ليس مجرد استحقاق سياسي، بل هو أمانة كبرى تضعكم في مواجهة مباشرة مع إرث طويل من الفرص الضائعة، وتمنحكم في الوقت ذاته فرصة تاريخية لتكونوا المعماريين الأوائل لعراقٍ جديد يتجاوز أخطاء الماضي بروح الشجاعة والإنصاف.
إن التاريخ لا يكتبه المنتصرون في ساحات المعارك الداخلية، بل يخلده الذين ينتصرون للإنسان. إنكم اليوم تقفون على ناصية زمنية فارقة، فإما أن تستمر الدولة في تكرار خطيئة “المركزية الإقصائية” التي أحرقت أخضر العراق ويابسه منذ العهد الملكي، أو أن تجترحوا معجزة سياسية تعيد صياغة العقد الاجتماعي العراقي على أسس “المواطنة المطلقة”.
لقد دفع هذا الوطن ثمن “عُقدة الجبل” دماً ومالاً وسيادة. إن مليارات الدولارات التي بُددت في شراء الحديد والنار لقمع الكورد، كانت كفيلة بجعل العراق اليوم ضمن مجموعة العشرين الكبار. إن التنازلات التي قُدمت للخارج لكسر إرادة الداخل كانت طعنات في خاصرة السيادة الوطنية. واليوم، التاريخ يراقبكم: هل ستكون حكومتكم هي “حكومة الاعتراف” التي تنهي عصور الدرجة الثانية والثالثة في المواطنة؟
إن الكوردي في السليمانية ودهوك وأربيل و حلبجة ليس “جاراً لزجاً” أو “شريكاً قلقاً”، بل هو الرئة التي يتنفس بها العراق جمالاً وتنوعاً واقتصاداً. إن الاستثمار في استقرار كوردستان، ليس منةً بل هو استثمار في أمن البصرة وازدهار بغداد.
عندما يشعر الكوردي أن حكومة الزيدي هي حصنه، لن تجدوا ثغرة يدخل منها غريب، ولن تحتاجوا لإنفاق نصف موازنتكم على التسلح، بل ستنفقونها على مختبرات الذكاء الاصطناعي، ومصانع البتروكيماويات، وتحويل جبالنا إلى مزار سياحي عالمي يعيد للدينار العراقي هيبته المفقودة.
السيد رئيس الوزراء، إن رقي العراق ليس في ناطحات السحاب، بل في “رقي التعامل” مع التنوع. اجعلوا من حكومتكم جسراً يردم هوة الشك بين الجبل والسهل. حطموا صنم “المركزية المقيتة” وابنوا دولة المؤسسات التي لا تسأل عن لغة المواطن أو قوميته قبل أن تمنحه حقوقه. إن فعلتم ذلك، فستكونون أول حكومة في تاريخ العراق الحديث لا تخشى التاريخ، بل يكتبها التاريخ بمداد من نور كأول من أوقف “النزيف الذاتي” وبدأ عصر “العراق العظيم” بحق.
والتاريخ لا يرحم من أضاع الفرص، لكنه يُقدس من صنعها.

قد يعجبك ايضا