آدم محمود
تخطى مواطنون من الجنسين عقبة الأمية بعد سنواتطويلة عاشوها وهم يحلمون بتعلم القراءة والكتابة،حتى أن بعضهم واصلوا التعلم حتى الحصول علىشهادات جامعية رغم أعمارهم الكبيرة التي كانالبعض يظنها عائقاً أمام إكمال دراستهم وتحقيقطموحات طفولتهم.
ويسجل العراق تراجعاً ملحوظاً في معدلات الأميةخلال السنوات الأخيرة, فبحسب الأرقام الرسمية،انخفضت نسبة الأمية بين السكان من عمر 10 سنواتفما فوق إلى نحو 15% في عام 2024، بعدما كانتتتجاوز 20% قبل أعوام قليلة، في مؤشر يعكس تحولاًحقيقياً في مسار الإقبال على التعليم.
لم يأتِ هذا التحسن من فراغ, إذ ارتفعت نسبةالالتحاق بالمدارس الابتدائية إلى نحو 94% بالتزامنمع إنشاء أكثر من 1200 مركز لمحو الأمية .
فضلاً عن تشغيل 830 مركزاً تعليمياً تستقطب أكثرمن 41 ألف دارس، ضمن برامج حكومية أُدرجت فيخطط التنمية ومكافحة الفقر، مدعومة بتعاون دوليومبادرات أممية تستهدف النساء والفئات الأكثرتهميشاً.
تقول العراقية هبة أحمد (38 سنة) إنها باتت تلتزمبكتابة ملاحظات يومها بثقة لم تعرفها من قبل، وتؤكد: “كنت صغيرة عندما توفي والدي، واضطررت لتركالتعليم والعمل مع أمي لإعالة إخوتي. كانت المدرسةحلماً بعيداً، ولم أكن أعرف حتى كيف أكتب اسمي. أولادي هم من أجبروني على التعلم، ودخلت مركز محوالأمية، واليوم أستطيع أن أقرأ وأكتب، ولم أعد أحتاجأحداً ليقرأ لي. ليس الأمر مجرد تعلم حروف، بلاستعادة كرامة، فأجمل شعور هو الاستقلالالشخصي“.
وتعكس الحكايات تحولاً أوسع في نظرة المجتمع إلىالتعليم، خاصة بين النساء اللواتي كنّ الأكثر تأثراًبالأمية، ومن بينهن سوسن نوري “أم علي” (52 سنة)،والتي تقول إنها وجدت في التعلم بوابة للتواصل مععائلتها. وتضيف: “كنت أرسل لأبنائي وأحفاديرسائل صوتية على تطبيق (واتساب) إذ لم أكن أعرفالكتابة, الآن أكتب لهم يومياً, أحياناً أكتب صباحالخير، أو أسألهم عن أحوالهم وهم فرحون جداً وأناأيضاً.
لم يتوقف التحول عند حدود التواصل مع العائلة، إذبدأت أم علي تتابع الأخبار عبر مواقع التواصلالاجتماعي، وتقرأ بنفسها تفاصيل ما يدور من حولها،الآن أقرأ الأخبار بنفسي، وأفهم أكثر، وأشعر بأنيأصبحت واعية ومثقفة.
قاد التعلم عيسى عبد الرحمن (39 سنة) إلى عالممختلف، هو عالم مطالعة الكتب ويقول لـ“العربيالجديد“، إنه أصبح دائم التجول بين رفوف مكتباتبغداد، مستذكراً شعوره قبل تعلم القراءة والكتابة، حينكان يمرّ أمام المكتبات ويشعر بالحسرة حين يرىالناس يشترون الكتب ويتمنى أن يفعل مثلهم. بعدماتعلم القراءة والكتابة قبل عامين، تغيّر كل شيء، ويؤكد: “أصبحت أدخل إلى المكتبات بشجاعة، وأقرأ العناوينللاختيار وأتصفح الكتب كي أختار ما يعجبني إنهشعور لا يوصف.
ويظهر حديث عبد الرحمن أن شغفه بالقراءة لم يكنعابراً إذ يؤكد أنه قرأ أكثر من ثلاثين كتاباً منذ تعلمالقراءة، وأنها كتب متنوعة في مجالات التراث الشعبيوالأدب والرواية. واضاف القراءة فتحت لي عالماً جديداً. أصبحت أفهم علم المجتمع، وأدرك تفاصيل التاريخوأشعر بنفسي أكثر وعياً وأكثر عمقاً.
وتلخص هذه القفزة من الحرمان إلى الشغف جانباًآخر من أثر محو الأمية على نفوس البشر، إذ لا يتوقفالأمر عند التعويض، بل يتحول إلى الرغبة فيالاكتشاف.