حسو هورمي
نحتفي اليوم بالذكرى الثالثة والثلاثين لتأسيس مركز لالش الثقافي والاجتماعي الإيزيدي، هذا الصرح الحضاري الذي انبثق بعد انتفاضة ربيع عام 1991 وتحرير جزء من المناطق الإيزيدية. فقد جاء تأسيس المركز في 12 مايو/أيار 1993 ثمرةً لنضالات انتفاضة آذار المجيدة وتضحيات البيشمركة الأبطال، إيذانًا بمرحلة جديدة من التحول السياسي والثقافي في كوردستان، حيث تمتعت المنطقة آنذاك بالحكم الذاتي والاستقرار النسبي.
لم يكن تأسيس المركز مجرد حدث عابر، بل شكّل نقطة تحول جوهرية تركت أثرًا عميقًا في الثقافة الدينية والقومية للإيزيديين. فقد اضطلع المركز بمهمة إعادة تسليط الضوء على الهوية الإيزيدية التي تعرضت، عبر التاريخ، لمحاولات الطمس والإبادة الجماعية. وجاء تأسيس هذا الصرح استجابةً لتطلعات العديد من المثقفين والمهتمين بالشأن الإيزيدي، ليغدو منارةً لنشر الفهم العميق للديانة الإيزيدية وتراثها العريق. واستنادًا إلى أسس بحثية رصينة قائمة على التاريخ والحقائق، نجح المركز في تقديم صورة مشرقة عن هذه الديانة، محولًا أحلام أجيال من المثقفين والكتاب إلى واقع ملموس.
وفي هذه المسيرة، كانت مساهمات نخبة من المثقفين الإيزيديين حاسمة، بدعم من القيادة الكوردستانية وحكومة إقليم كوردستان، اللتين لعبتا دورًا بارزًا في تعزيز مسيرة المركز منذ تأسيسه. وتحت شعار: “لالش نبع صافٍ يصب في مجرى الثقافة الكوردية”، انطلق المركز ليكون صوتًا للثقافة والهوية الإيزيدية والكوردستانية، وجسرًا لتعزيز الترابط بين مختلف مكونات المجتمع، كما أسهم المركز في تقديم أدلة موثقة حول الإرث التاريخي والديني للإيزيديين، متحديًا حملات التشويه ومحاولات طمس الهوية.
وعلى الصعيد الشخصي، يملؤني الاعتزاز بأنني كنت جزءًا من هذه التجربة الفريدة منذ بداياتها، إذ شاركت في المؤتمر التأسيسي في 12 مايو 1993، ثم أصبحت عضوًا في الهيئة الإدارية عبر انتخابات فردية جرت في المؤتمر الثالث للمركز بتاريخ 4 أبريل/نيسان 1996، وأعيد انتخابي مجددًا في المؤتمر الرابع بتاريخ 3 أبريل 1997، وتكرر ذلك في المؤتمر الانتخابي الخامس بتاريخ 28 مارس/آذار 1998، وبقيت في المركز أزاول العمل الثقافي، إلى أن انتهت علاقتي به في 25 مارس 1999، بعدها هاجرت من كوردستان إلى أوروبا.
غير أنني أشعر دائمًا بالفخر لأنني خريج هذه المدرسة الثقافية العريقة التي صقلت مواهبي الكتابية؛ حيث نُشر لي أول مقال بعنوان “الباراسايكولوجيا عند الإيزيدية” في مجلة لالش العدد الرابع سنة 1994. كما عملت لفترة سكرتير تحرير مجلة لالش الفصلية، تلك المجلة التي ما زالت تصدر باللغات الكوردية والعربية والإنجليزية، ووصلت إلى عددها (57) في مارس 2026، وأصبحت نافذة ثقافية معروفة ذاع صيتها ووصلت إلى مختلف المكتبات والجامعات والعديد من الدول والمحافل الثقافية، لتكون شاهدًا حيًا على غنى التراث الإيزيدي وعمق وتنوع الثقافة الكوردستانية.
وخلال تلك السنوات، أتيحت لي فرصة الإسهام في إثراء الساحة الثقافية من خلال كتابة المقالات وإجراء البحوث العلمية، فضلًا عن تقديم المحاضرات والمشاركة في المؤتمرات الكوردستانية. وسيبقى شعور الفخر ملازمًا لي لأنني كنت جزءًا من هذه المدرسة الثقافية التي أثرت بعمق في مساري المهني والشخصي.
وفي هذه المناسبة، ننحني إجلالًا لأولئك الذين أسسوا هذا الصرح التاريخي، كما نثمّن الدعم المستمر الذي قدمه قادة حكومة إقليم كوردستان، بدءًا من الأستاذ نيجيرفان بارزاني وصولًا إلى الأستاذ مسرور بارزاني. فقد كان لهذا الدعم أثر كبير في نجاح المركز وتوسعه، ليشمل مشاريع حيوية أحدثت فرقًا ملموسًا في حياة المجتمع الإيزيدي، من بينها دعم الناجيات الإيزيديات، وتعزيز الحضور الإعلامي والثقافي عبر إطلاق قناة سما الفضائية.
ختامًا، نثمّن جميع الجهود التي بذلها أعضاء المركز وإداراته السابقة والحالية، وكل الكوادر التي حملت رسالة هذا الصرح الثقافي بروح من التفاني والثبات. كما نتوجه بالشكر إلى المثقفين غير الإيزيديين الذين وقفوا إلى جانب الحقيقة وأسهموا في تقديم صورة صحيحة عن الديانة الإيزيدية.
الخلود لمن رحلوا بعد أن تركوا بصماتهم في هذه المسيرة، والسلامة والتوفيق لكل من يواصلها اليوم بإخلاص وعزيمة. وسيظل مركز لالش رمزًا للريادة الثقافية، وحارسًا للإرث والتقاليد الإيزيدية والكوردستانية، واضعًا نصب عينيه هدف توثيق هذا التراث الثمين وحمايته، ليبقى حيًا ومتجددًا في وجدان الأجيال القادمة.