ليلى قاسم وأيقونة النضال النسوي في ذاكرة العراق وكوردستان

أ.د.خليل مصطفى عثمان

بصفتي أكاديمياً وحاملاً لرسالة العلم والتاريخ، وفي هذه الذكرى المليئة بالدلالات، أجد من الضروري أن أنظر بعين تحليلية واستقصائية إلى صفحات التاريخ العراقي المعاصر؛ هناك حيث واجه الشعب الكوردي سلسلة من “الإبادات الجماعية الممنهجة”. إن ما حلّ بالشعب الكوردي لم يكن مجرد اضطهاد سياسي، بل كان محاولة مستمرة لتدمير البنية التحتية الثقافية والديموغرافية للمنطقة عبر عمليات الأنفال والقصف الكيماوي. وفي هذا السياق، برزت المرأة الكوردية كفاعل مركزي في المقاومة الوطنية، حيث استطاعت تحويل حالة “الضحية” إلى “رمز للبقاء”، وتعد الشهيدة الأكاديمية والمناضلة ليلى قاسم من أبرز نماذج هذا التحول.
إن إعدامها في 12 أيار 1974، كأول امرأة في تاريخ الدولة العراقية تُعدم لأسباب سياسية، كان نقطة تحول سوسيو-سياسية أثبتت فيها المرأة أن قوتها الفكرية والسياسية ليست أضعف من أدوات القمع.
من الناحية السوسيولوجية (الاجتماعية)، عاشت المرأة الكوردية جنباً إلى جنب مع أختها المرأة العراقية، داخل دائرة قاسية من الاستبداد؛ من جهة استبداد النظام الدكتاتوري، ومن جهة أخرى ثقل الأعباء الاجتماعية في حقب الحروب والحصار. ليلى قاسم، بارتقائها نحو المشنقة، كست القيود الاجتماعية وأصبحت ملهمة لآلاف النساء الأخريات للانخراط في الكفاح المسلح (البيشمركة) والنضال المدني.
إن هذه المشاركة النسوية في حركات التحرر لم تكن مجرد فعل عسكري، بل كانت “ثورة نسوية قومية” أصبحت فيها المرأة حارسة للغة والهوية والوجود الكوردي في الأوقات التي كان فيها كل شيء مهدداً بالفناء.
من الناحية الأكاديمية والقانونية، آن الأوان لتخرج هذه التضحيات من إطار الخطابات العاطفية لتصبح ركائز قانونية ثابتة. وبصفتي أكاديمياً، أقدم هذه المقترحات العلمية للجهات التشريعية والتنفيذية:
*مأسسة التعويضات (Institutionalization):
من الضروري أن تخرج عملية تعويض الضحايا الكورد والعراقيين من تحت تأثير التجاذبات السياسية، وأن تتم عبر مؤسسة وطنية مستقلة، تعتمد على مبادئ “العدالة الانتقالية” (Transitional Justice) لجبر الأضرار المادية والمعنوية بشكل علمي.
مراجعة المناهج الدراسية: يجب ترسيخ تاريخ نضال المرأة، وخاصة الرموز مثل ليلى قاسم، كجزء من التاريخ الوطني ضمن المناهج التربوية، ليتسنى للأجيال القادمة التربية على أسس قبول الآخر واحترام نضال المكونات.
التوثيق الدولي:
العمل على إعداد ملفات علمية وحقوقية قوية للاعتراف بالكوارث التي حلت بالشعب الكوردي كـ “إبادة جماعية” في برلمانات العالم، والتأكيد على تعويضهم من قبل الدولة كمسؤولية قانونية مستمرة.
الدعم الاقتصادي:
تخصيص ميزانيات خاصة للمشاريع الصغيرة ورفع المستوى المعيشي للنساء المتضررات من الحروب والأنفال، لنقلهن من حالة “الاحتياج” إلى حالة “الإنتاج”.
ختاماً، كأكاديمي، أقول إن دماء ليلى قاسم وكل النساء المناضلات هي الأساس لهذه الحرية التي نعيش في ظلها اليوم. الحقيقة التاريخية تقول: لا تصل الشعوب إلى الحرية ما لم تكن المرأة في قلب تلك الحرية. إنه واجبنا الأكاديمي والأخلاقي أن نضمن أن هذا النضال سيُكافأ بعدالة وتعويضات شائكة، لتصبح جراح الماضي ممهدة لمستقبل مشرق ومشترك.

قد يعجبك ايضا