جبل شيرين… حين تلتقي الأرواح في حضرة كوردستان

عرفان الداوودي

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات السياسية والاجتماعية، وتضيق فيه المدن بضجيجها وهمومها الثقيلة، تبقى الطبيعة في كوردستان ملاذاً إنسانياً يعيد للروح شيئاً من توازنها المفقود، ويمنح الإنسان فرصةً نادرة ليبتعد قليلاً عن صخب الحياة وضجيج المصالح.

ما أجمل أن تتحول الرحلات من مجرد انتقالٍ بين الأمكنة إلى سفرٍ عميقٍ في المعاني الإنسانية، حيث يلتقي الفكر بالمحبة، والثقافة بالوفاء، والطبيعة بصفاء الأرواح. ففي حضرة جبال كوردستان الشامخة، يدرك الإنسان أن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالقلوب التي تعرف معنى الأخوة، وبالعقول التي تحمل النور والمعرفة.

رحلتنا إلى ريزان وشاندەر وسوران وجبل شيرين لم تكن نزهةً عابرة، بل كانت رحلةً نحو الجمال الداخلي، حيث تتجدد الأرواح بين الأصدقاء كما تتجدد الينابيع بين الجبال. هناك، بين الأساتذة والاطباء والمهندسين والصحفيين والمحامين والمتقاعدين القادمين من خانقين، لم تكن المناصب ولا الوظائف هي التي جمعتنا، بل جمعنا الانتماء الصادق لمدينةٍ عريقة اسمها خانقين، المدينة التي تسكن أبناءها مهما ابتعدوا عنها.

وسط الطبيعة الساحرة وهدير الشلالات، شعرنا أن الأرواح لا تهرم كما تهرم الأجساد، وأن الصداقة الحقيقية تبقى أقوى من تعب السنين. كانت الضحكات المتناثرة بين الجالسين تحمل معنىً أكبر من الترفيه؛ كانت إعلاناً صامتاً بأن الإنسان العراقي، رغم ما مرّ به من حروب وأزمات وانقسامات، ما زال قادراً على صناعة الفرح والتمسك بالمحبة.

لقد أثبتت تلك الرحلة أن المجتمعات لا تُبنى فقط بالمشاريع والسياسات، بل تُبنى أيضاً بالعلاقات الإنسانية الصادقة، وبقدرة الناس على الحفاظ على روح الأخوة بعيداً عن المصالح الضيقة والخلافات العابرة. ففي وطنٍ عانى طويلاً من الانقسامات، تبقى مثل هذه اللقاءات رسالة أمل تؤكد أن ما يجمع العراقيين أكبر بكثير مما يفرقهم.

جبل شيرين لم يكن مجرد مكانٍ جميل، بل كان شاهداً على لقاء أرواحٍ أنهكتها الحياة، فجاءت تبحث عن بعض الدفء الإنساني وسط طبيعة كوردستان الخلابة. وهناك، تحت ظلال الجبال ونسيمها البارد، شعرنا أن الطبيعة لا تمنح الجمال فحسب، بل تمنح الإنسان فرصةً ليصالح عمره، ويعيد اكتشاف ذاته التي أرهقتها الحياة.

إن أجمل ما في تلك السفرة أنها أعادت إلينا يقيناً قديماً: أن الإنسان مهما تقدّم به العمر، يبقى بحاجة إلى صديقٍ صادق، وضحكةٍ تشبه طفولته، ورفقةٍ تمنحه شعوراً بأن الحياة ما تزال جديرةً بأن تُعاش.

وهكذا تبقى اللقاءات الصادقة بين أهل الفكر والثقافة أعظم من كل المسافات، لأنها تترك في الذاكرة أثراً يشبه خلود الطبيعة وهدوءها الأبدي، وترسم صورةً راقية عن انسان حين يسمو الأخلاق والوفاء والمحبة .

قد يعجبك ايضا