رمزي ميركاني
أربكت الزيارة المفاجئة التي قام بها إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، يوم الأحد إلى بغداد، حسابات تشكيل الحكومة الجديدة التي كانت وشيكة بعد أن اتضحت ملامحها شبه النهائية. جاءت زيارة قاآني لمنع إقصاء الفصائل المسلحة من الحكومة العتيدة، حيث طلب من ممثلي “الإطار التنسيقي” (التحالف الشيعي الحاكم) عدم التصويت لأي تشكيلة تمس بنفوذ حلفاء طهران أو تركيبة حضورهم داخل مؤسسات الدولة.
وكانت مفاوضات رئيس الحكومة المكلف، علي الزيدي، لتشكيل كابينته الوزارية قد بلغت مراحل متقدمة، لكن المنافسة والجدل بين أمريكا وإيران حول شكل الحكومة المقبلة أفسدا العملية؛ فواشنطن ترفض مشاركة الفصائل المسلحة في الحكومة، بينما تعترض طهران على الانصياع التام للإرادة الأمريكية وتصر على بقاء حلفائها في مراكز القرار بـبغداد. وإذ تجد طهران -التي كانت صاحب الصوت الأعلى في الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003- نفسها اليوم مهددة بالخروج من المشهد، تأتي زيارة قاآني المفاجئة لمحاولة لملمة الوضع وإظهار القوة، خاصة بعد تراجع سطوتها في ساحات إقليمية أخرى.
على المستوى الداخلي، تسعى كافة الأطراف للحصول على حصصها، وبرزت رسائل مباشرة من جهات عدة تطالب بوزارات معينة، ولاسيما الخدمية منها. ومن جهته، شدد زعيم حركة النجباء، أكرم الكعبي، على أن سلاح الفصائل “خط أحمر” يجب الدفاع عنه بالدم، في إشارة واضحة لصعوبة الانصياع لمطالب واشنطن. وظهرت هذه التجاذبات جلياً بعد تصنيف الزيدي كـ “رجل أمريكا”، وتوجه واشنطن نحو تغيير استراتيجيتها تجاه العراق عبر الاقتراب أكثر لمواجهة النفوذ الإيراني وتطويقه في الحكومة الجديدة والبلاد عموماً.
وبما أن “علي الزيدي” هو مرشح “الإطار التنسيقي”، فإنه لا يستطيع اتخاذ إجراءات حاسمة ضد “الفصائل الولائية” لالتزامه بثوابت الإطار، فضلاً عن تغلغل نفوذ الحشد الشعبي داخل مفاصل الدولة، وهذا ما يجعل من التقارب الأمريكي مصلحة ضمنية لتهدئة الأزمات واستعادة الدور المعتاد. لذا، فإن زيارة قاآني لم تكن من منطلق القوة كما في السابق، بل كانت لمراجعة نفوذ طهران في بغداد، التي تُعد العاصمة الوحيدة المتبقية تحت إمرتها والمنفذ الخارجي المباشر لدول الجوار.
إن تكليف الزيدي -وهو وجه غير معروف سياسياً- جاء بعد انسداد الأفق السياسي وفشل الوصول إلى تسوية بشأن مرشحين مثل نوري المالكي أو محمد شياع السوداني. وبما أن الإطار التنسيقي استنفد أوراقه وبات يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية، لم يكن الزيدي الخيار الأول بل كان خياراً اضطرارياً للخروج من “عنق الزجاجة”؛ فهو “مرشح تسوية قسري” لتهدئة العاصفة الدولية وامتصاص غضب الشارع العراقي، بعد فشل الإطار في إقناع الشركاء الداخليين (السنة والكرد) ببرامجه السابقة، والقوى الخارجية (واشنطن وطهران) ببرامجه المقبلة.
لقد كان الإطار التنسيقي ذكياً في اختيار الزيدي؛ فهو لا يطمح من خلاله لبناء “دولة مؤسسات” بقدر ما يبحث عن رئة يتنفس من خلالها لكسب الوقت. وقد يكون ترشيحه محاولة للالتفاف على المطالب الدولية، وإظهار مرونة أمام القوى السنية والكردية، أو حتى مناورة تجاه واشنطن التي وضعت شروطاً تعجيزية، منها إنهاء نفوذ الفصائل، وهو أمر يقترب من “الانتحار السياسي” بالنسبة للإطار.
يواجه العراق اليوم واحدة من أعقد مراحله السياسية؛ إذ لم يعد اختيار رئيس الحكومة شأناً داخلياً يحسم في بغداد، بل تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. ولم تعد واشنطن تكتفي بالبيانات السياسية، بل بدأت بتضييق الخناق اقتصادياً عبر التهديد بعرقلة تدفق أموال النفط المودعة في البنك الفيدرالي الأمريكي، لضمان عدم وصول الدولار إلى طهران. وهكذا تُستخدم أموال العراق كأداة ضغط لفك الارتباط بإيران وإخلاء الدولة من الفصائل الموالية لها، بينما تسبح طهران ضد التيار الأمريكي للإبقاء على نفوذ حلفائها كصناع قرار متنفذين.
ختاماً، يجد العراق نفسه في موقف شديد الحرج بين ضغطين مريرين؛ الأول أمريكي يهدد شريان حياته الاقتصادي، والثاني إيراني يلوح بفقدان شريك استراتيجي وتصعيد داخلي. لقد أقحم العراق نفسه في هذا المأزق منذ أمد بعيد عبر الخضوع الكامل للنفوذ الخارجي، وهو اليوم يدفع ضريبة غياب السيادة الحقيقية على أرضه وقراراته.