ظِلالُ الحكم و ضَلاله.

فاضل ميراني*

لست من الذين يُسلّمون بكل روايات الماضي، لا للشفاهية التي تحولت لكتابة، بل لأن التاريخ يخونه التوثيق كثيرا، و احيانا كثيرة لا يتم وضع الحدث بكامله، و لا يتم تحليل شخصياته بحيادية.
الانسان نسبي و منجزاته ايضا، فردا كان ام جماعة، والدوافع موجودة، تعمّدا او خشية، و الجهالة و التجهيل وسيلتان من وسائل النصر عند نوعية من البشر كانت و لم تزل و تبقى.
لكن امام اخفاقات الاحاطة و الحياد في المنقول، لا يسع الانسان ان يحتج بالخيال ليفهم المشوش، او يكتب او يفهم عن شيء مخفي، ولذا فإن العقل عليه التعامل مع الروايات بالفهم و التفسير و النقد، و منها التاريخ الخاص بالحكم و السلطة و تطورات قيام النظام ليكون دولة ومراحل انتشار مساحتها و انسحاباتها، و كيف كان يعيش انسانها محكوما و حاكما، و نوع الارتباط و الاولويات.
ليست الدولة الدينية بعنوانها و مضمونها دولة منطقة بذاتها، ذلك ان الاديان السماوية و المعتقدات اللاسماوية كانتا و تبقيان ذخيرة حكم، و لا تخلو منظومة منهما حتى مع انكارهما عند جماعات انسانية.
من المُسلّمِ به بل و السائد عن اغلبية لا تحصى و لا يستهان بها وجودا و تأثيرا من المتحججين و المستندين بدوفاعتهم و توجهاتهم للمتوافر المتناقل من كتب التاريخ التي تعد وثيقة لا من حيث القطع ان مضمونها حقيقي بل من حيث انها مكتوبة بيد من نُسِبَت اليهم تأليفا الا اذا ظهر العكس بعد التحقيق، من المُسّلم به انها وثقت لتاريخ منطقتنا و هويات الحكم التي و الذي مر بها، واستعراض تنوعاتها و اعدادها ليس مجاله هنا، انما المجال قد يتسع -بعد تكثيف المعلومات – الى اسباب قيامها و زوالها، و انكشاف صدقيتها من عدمه لمّا وصلت و تحكّمت، وكيف تمكّنت و ما هي وسائلها و مدى شرعيتها و كيف اثرت و بأي اتجاه على رعاياها و هل كان همها نفسها ام همها خلق مجتمع ناجح، و قبل كل ذلك، اي عنوان شرعي قدمت من خلاله نفسها للرعية، اذ انه يكفي لاختبارٍ و اعتبارٍ، اختبار صدق من دوّن من عدمه، و إخبار للعقل ان لا يرتمي تقديسا و اخذا بما ثبت انه لا يستحق لا الاخذ و لا التقديس، و اما الاعتبار، فهو للحاكم و المحكوم و الذي يوثق، ان لا يكرر الاول جريمة غيره، و ان لا يسكت الثاني على اعتبار الاول له رقما من ارقام يسوقها حيث يشاء، و للموثق ان لا يخفي مهمّا او يصطنع كذبا او يبرر جرما.
من هذا كله و به و عليه، شهدت التجربة البشرية في الحكم مراحل متقطعة قصيرة كان بها الحكم اشبه بظلال تعطف على الرعية، و فترات معاكسة كان فيها الحكم ضلالة خلقت مصائب و ازّمت رعايا الحكم، وكان الفارق بين الظلال و الضلال: عقل و ضمير، عقل يحمل الشر، و ضمير يتسع لحل شيء الا الصدق و الخير، وهذه سمتا الضلال.

*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني.

قد يعجبك ايضا