نبيل عبد الأمير الربيعي
لم يكن الشعور بالانتماء في سبعينيات العراق أمراً بديهياً لدى كثير من المثقفين والناشطين، بل كان ملتبساً ومؤجلاً. فقد بدت الدولة، بمؤسساتها وإعلامها وثقافتها، وكأنها ملك لسلطة واحدة، تحتكر المعنى والقرار معاً. في هذا المناخ، عاش الشيوعيون وغيرهم من القوى المعارضة حالة اغتراب داخل الوطن، يعملون في مؤسساته، لكنهم لا يشعرون بأنها تمثلهم، ويعيشون بحذر يومي أسموه العقلانية، إدراكاً منهم لحساسية التوازن بين البقاء والتعبير.
وسط هذا المشهد، جاءت لحظة إعلان الجبهة الوطنية في تموز عام 1973، بتوقيع أحمد حسن البكر وعزيز محمد، لتفتح نافذة أمل بدت، للوهلة الأولى، وكأنها بداية تحول سياسي. خرج الشيوعيون في تظاهرات حاشدة، معلنين حضورهم العلني بعد سنوات من المطاردة والسجون. كان المشهد مفاجئاً، أقرب إلى استعادة صوت كاد أن يُطمس، أو إعلان بأن الحياة السياسية يمكن أن تستعيد شيئاً من توازنها.

ومن رحم تلك اللحظة، وُلدت صحيفة (طريق الشعب- العلنية) بوصفها منبراً علنيًا للشيوعيين، ومساحة ثقافية جمعت أسماء بارزة مثل: زهير الجزائري، فاطمة المحسن، سلوى زكو، عبد الرزاق الصافي، سعدي يوسف، يوسف الصائغ، فايق بطي، وفالح عبد الجبار. هناك، لم تكن الصحافة مجرد مهنة، بل كانت شكلاً من أشكال التضامن، وبيتاً رمزياً لجيل توحده الكتابة ووحدة المصير.
لكن هذا الربيع السياسي كان قصير العمر. فمع أواخر السبعينيات، بدأ عقد الجبهة الوطنية يتفكك تدريجياً، لتكشف السلطة عن وجهها الأكثر قسوة. سرعان ما تحولت الشراكة إلى صراع، وعاد الشيوعيون إلى دائرة الاستهداف المباشر. شهدت تلك المرحلة حملات اعتقال واسعة، شملت كوادر حزبية ومثقفين وطلبة، وترافقت مع تعذيب قاس في السجون والمعتقلات، فضلاً عن الإعدامات التي طالت عدداً من النشطاء، خصوصاً في أعقاب حملات 1978–1979م.
لم يكن القمع أمنياً فقط، بل امتد إلى المجال الثقافي، حيث جرى تفكيك الحضور الشيوعي في المؤسسات الإعلامية، وإغلاق المنابر التي كانت تمثلهم، وفي مقدمتها (طريق الشعب). كما فُرضت رقابة صارمة، وأُقصي العديد من الكتّاب، أو اضطروا إلى الصمت أو المنفى. وهكذا، وجد جيل كامل نفسه مرة أخرى خارج الوطن، أو غريباً داخله، يلاحق ما تبقى من ذاكرة كانت، قبل سنوات قليلة، تبدو قابلة للحياة.

لقد تحول (عرس الجبهة) إلى ما يشبه مقدمة لسنوات دامية، حيث ساد منطق الإقصاء بدل الشراكة، والعنف بدل السياسة. ومع ذلك، بقيت تلك التجربة، بكل تناقضاتها، جزءاً أساسياً من الذاكرة العراقية؛ ذاكرة تختلط فيها لحظات الأمل بالخيبة، والانفتاح بالقمع، لتشكل شهادة على زمن لم يكن عابراً، بل ترك أثره العميق في وجدان جيل كامل.
في هذه الذاكرة، لا تستعاد الأحداث بوصفها وقائع جامدة، بل كخبرة إنسانية حية، تتقاطع فيها السياسة مع الحياة اليومية، ويغدو الوطن سؤالاً مفتوحاً: كيف يمكن أن يكون المكان لنا، ونحن فيه غرباء؟ وربما في هذا السؤال تحديداً تكمن مأساة تلك المرحلة، كما تكمن أيضاً قيمتها بوصفها درساً تاريخياً لا يزال يتردد صداه حتى اليوم.
إن مأساة تلك المرحلة تمثلت في وهم الشراكة غير المتكافئة بين طرفين متباينين في الرؤية والبنية؛ إذ دخل الحزب الشيوعي في تحالف مع سلطة احتكارية لم تكن مستعدة فعلياً لتقاسم الفضاء السياسي. فكان تحالف 1973–1978 أقرب إلى هدنة مؤقتة سرعان ما انكشفت حدودها، لينقلب إلى موجة قمع عنيفة طالت الشيوعيين وكوادرهم.
أما قيمتها التاريخية، فتكمن في الدرس العميق الذي تركته: أن التحالفات التي لا تقوم على ضمانات حقيقية وتوازن في القوة واحترام متبادل، سرعان ما تتحول إلى أداة إقصاء. كما كشفت تلك التجربة أهمية الاستقلال السياسي، وضرورة قراءة طبيعة الأنظمة قبل الانخراط معها، وهو درس لا يزال حاضراً في الوعي السياسي حتى اليوم.