ماهين شيخاني
في إحدى الحكايات المتداولة عن زمن الانتداب، يُقال إن موظفاً بريطانياً وضع قبعته على نافذة عالية، ثم أعلن أمام مجموعة من الموظفين المحليين أن من يصل إليها سينال جائزة. لم يتعاون أحد، بل بدأوا يتدافعون، وكلما اقترب أحدهم من الهدف، جذبه الآخرون إلى الأسفل.
وحين أنهكهم الصراع، تقدّم الموظف بهدوء، التقط القبعة بعصاه، وقال:
“لم تكن هناك جائزة… كان اختباراً، وقد فشلتم لأنكم لا تتعاونون على النجاح، بل على التعطيل.”
قد لا تكون هذه القصة موثقة بقدر ما هي معبّرة، لكنها تختصر، بمرارة، جزءاً كبيراً من واقعنا الكوردي اليوم.
من الحكاية إلى الواقع الكوردي
ليست المشكلة في غياب التضحيات، ولا في ضعف الإرادة.
الشعب الكوردي أثبت، عبر عقود، أنه قادر على القتال، الصمود، والبقاء.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
هل نستطيع النضال؟
بل: هل نستطيع أن نتفق؟
كوردستان العراق: تجربة تتعثر من الداخل
في إقليم كوردستان، هناك تجربة سياسية متقدمة مقارنة ببقية أجزاء كوردستان.
لكن هذه التجربة، رغم عمرها، لا تزال أسيرة الانقسام الحزبي.
ملف النفط
العلاقة مع بغداد
قضية كركوك
إدارة المؤسسات
كلها ملفات تُدار بمنطق التنافس لا الشراكة.
المشكلة لم تعد فقط في الضغوط الخارجية، بل في سؤال داخلي بسيط:
من يحمل “البرنيطة”؟
روژآڤايي كوردستان: كان إنجاز عسكري… وتعثر سياسي
في روژآڤايي كوردستان، استطاع الكورد تحقيق ما عجز عنه كثيرون:
هزيمة تنظيم داعش
بناء إدارة ذاتية
تقديم نموذج إداري لافت
لكن، في المقابل، تعثّر الحوار الكوردي – الكوردي مراراً.
تحوّلت الخلافات إلى:
شكوك دائمة
اصطفافات حادة
مشاريع متوازية لا تلتقي
وكأننا نعيد إنتاج المشهد ذاته:
كل طرف يرفع قدمه… لكنه يمسك بساق الآخر.
أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
ليست المشكلة في الاختلاف—فالاختلاف طبيعي.
المشكلة في طريقة إدارة الاختلاف.
هناك ثلاث علل أساسية:
تغليب الحزب على القضية
الخوف من فقدان النفوذ
الارتهان الجزئي لقوى إقليمية
وهنا يتحول الصراع من:
صراع من أجل الهدف
إلى صراع على من يمتلك الهدف
ما الذي نفتقده فعلاً؟
ليس السلاح…
ولا الشجاعة…
ولا حتى الدعم الدولي…
ما نفتقده هو:
رؤية مشتركة
ثقة متبادلة
إيمان حقيقي بالمشروع الجمعي
لو أدركنا أن “البرنيطة” — كرمز للحرية والمشروع الوطني — لا يمكن أن يحملها حزب واحد، ولا تيار واحد، ولا قائد واحد…
بل تُحمل فقط حين تتلاقى الأيدي…
لا حين تتصارع.
نحو مخرج ممكن
الطريق ليس مستحيلاً، لكنه واضح:
تحويل التنافس إلى شراكة
بناء مؤسسات فوق حزبية
تحييد الخلافات أمام القضايا المصيرية
الاتفاق على الحد الأدنى المشترك
ليس المطلوب أن نتشابه،
بل أن نتفق على ما يمنع سقوطنا جميعاً.
الخاتمة:
البرنيطة ليست مجرد قصة…
إنها امتحان يتكرر كل يوم.
إما أن نمدّ أيدينا لبعضنا…
أو نستمر في جذب بعضنا إلى الأسفل.
التاريخ لن ينتظرنا طويلاً، والفرص لا تتكرر إلى الأبد.
إن لم نتعلم هذا الدرس الآن، فربما لن تكون المشكلة أننا لم نصل إلى البرنيطة…
بل أن أحداً آخر سيلتقطها نيابةً عنا.