هبة عبدالحافظ المطيري
في زوايا التاريخ العتيق تبرز قامة امرأة لم تكن مجرد ملكة بل كانت حضورًا استثنائيًا هزّ أركان بلاد الرافدين. هي شمورامات تلك التي عبرت جسر الأسطورة لتستقر في وجدان التاريخ تحت اسم “سميراميس”، لكن شتان بين خيال الإغريق المجنّح وبين حقيقة المرأة التي ارتبط اسمها بإحدى أعظم الإمبراطوريات العسكرية في العالم القديم.
بدأت حكاية هذه السيدة في أروقة القصور الآشورية كزوجة للملك شمشي أدد الخامس، لكن بريقها الحقيقي ظهر بعد رحيله، حين انتقل العرش إلى ابنها الصغير أداد نيراري الثالث. في تلك اللحظة الحرجة حيث كانت التحديات تحيط بالدولة من كل جانب، لم تكتفِ شمورامات بدور الأرملة، بل ظهرت في موقع الوصاية بثبات لافت في مجتمع ذكوري محارب لا يمنح السلطة بسهولة.
لقد كانت شريكة في المجد بمعنى يليق بزمنها، ويشهد التاريخ أنها لم تكن مجرد ظل لابنها، بل شخصية ذات حضور مؤثر في إدارة شؤون الدولة خلال السنوات الأولى من حكمه.
وتُظهر النقوش الآشورية ذكر اسمها في سياقات رسمية إلى جانب الملك، وهو أمر نادر نسبيًا، يكشف عن مكانة استثنائية داخل بنية الحكم الآشوري الصارمة.
أما ما يُنسب إليها من قيادة الجيوش أو الإشراف المباشر على حملات كبرى نحو تخوم الشرق، فيبقى في دائرة الروايات التي يصعب الجزم بها تاريخيًا، إذ لا تقدم المصادر المسمارية دليلًا قاطعًا على دور عسكري مباشر، رغم أن زمنها ارتبط بفترة تحركات وتثبيت نفوذ الإمبراطورية.
ومع مرور الزمن، تحولت شمورامات من شخصية تاريخية إلى أسطورة خالدة، ففي مخيلة المؤرخين القدامى، ولا سيما في التراث الإغريقي، صُوّرت بصورة متعالية على الواقع ونُسبت إليها أصول وأعمال أقرب إلى عالم الآلهة. وهنا تحديدًا وُلدت “سميراميس”، النسخة الأسطورية التي ابتعدت كثيرًا عن جذورها التاريخية.
لكن الحقيقة برغم هدوئها مقارنةً بالأسطورة، تظل أكثر عمقًا، امرأة من لحم ودم، وقفت في قلب نينوى وفرضت حضورها في زمن لا ينحني فيه القادة إلا للقوة، لتثبت أن السيادة قد تكون إرادة قبل أن تكون وراثة.
رحلت شمورامات وبقي اسمها محفورًا في النقوش الآشورية، شاهدًا على تجربة نادرة لامرأة اقتربت من مركز الحكم في واحدة من أعقد إمبراطوريات العالم القديم، لتهمس بأن الوجه الآخر للسلطة قد يحمل ملامح أنثوية لا تقل صلابة.