قراءة في رواية «لتكن مشيئتك»

أماني هواري

يقول أحد النقّاد إنّ الكتابة هي فعل محبّة يشارك فيها الكاتب المتلقّين بما يشغل ذهنه. ويقول آخرون إنّ الكتابة تعبير عن مشاعر يعيشها المؤلّف وأفكار يرغب في مشاركتها لأنّ في ذلك متعة وتحريرًا لما قُمع داخله. تتيح مشاركة هذه المشاعر والأفكار فرصةً لتفاعل شركاء جدد يضيفون من ذواتهم إلى معناها. فإذ تلتقي فيها العوالم المختلفة ويحدث التلاقح بينها، قد ينتج عن اللقاء والتلاقح تماهٍ أو تفريغ، أو ربّما يحدث تطهُّر (كثارسِس) للأطراف المتشاركة. وحين يحرَّر النصّ إلى قارئ خارجيّ يُفتح على بُعد جديد ينزع ملكيّـة مؤلّفه له ويرفع الوصاية عنه، كما يكسبه حياة جديدة. والنقد يؤكّد أنّ النصّ المفتوح، إذا ما انكشف على عدد من القرّاء، قد يكتسب قراءات ومعاني تتعدّد بعدد القرّاء.

غير أنّه، رغم هذه المساحة من الانفتاح التي قد يتيحها النصّ الأدبيّ، ومهما حاول القارئ التحليق بالنصّ، يبقى الأخير إفرازًا لحاضنة اجتماعيّة سياسيّة تشدُّه إليها، هي مادّته الأصليّة، هي أصل انشغاله، وإليها المردّ. ويظلّ المعنى فيه يتأرجح من قراءة إلى أخرى بين واقعه المعيش وواقعٍ منشود أفضل منه.

تناقش هذه المقالة الرواية لتكن مشيئتك للكتابة دعاء زعبي خطيب. وهذه الرواية الممتعة في أصلها حكاية اجتماعيّة، هندستها صاحبتها لتؤدّي أكثر من رسالة، وشابكت مواضيعَها كما تتشابك القضايا في حياة الفلسطينيّ أيًّا كان. بقدرة رائعة على سرد التفاصيل والتوغّل في دقائقها، تكشفنا الكاتبة على حياة عائلة فلسطينيّة مسيحيّة من فلسطينيّي الداخل. تلج إلى أعماق القضايا المطروحة حتّى يشعر القارئ أكثر من مرّة أنّ القضيّة المطروحة أمامه هي الحكاية المركزيّة، وحولها تتمحور الرواية. غير أنّ الكاتبة، بسلاسة وقدرة على حسن التخلّص، تنسحب ببراعة منها وتسحب القارئ معها. على نحو مبرَّر ومقنع، تمسك بأطراف الموضوعات المطروحة جميعها، فتشدها مرة اخرى نحو المركز لتقوّي خيط الموضوع المركزيّ وتوثّق ربطها به. هكذا، تبدو هذه الموضوعات كافّة قطعًا فسيفسائيّة يكمل بعضها البعض الآخر مؤلّفةً نسقًا اجتماعيًّا سياسيًّا يتربّع وسطه الموضوع المركزيّ. والحكاية الأساس هي حالة اضطراب يعيشها طفل وتعيشها معه عائلته؛ حالة طيف التوحّد. والموضوع اجتماعيّ نفسيّ لم يلقَ ما يستحقّ من عناية في الأدب، لا سيّما الفلسطينيّ. تتناوله الكاتبة دعاء زعبي بمسؤولية وعناية فائقة، مبدية سعة اطّلاع على تفاصيله. من خلال شخصيّة الطفل رامي. تهتمّ الكاتبة بمعالجة الأفعال والسلوكيّات التي تميّز الأطفال الذي يعيشون هذه الحالة. كما من خلال الشخصيّات الأخرى، تلفت انتباه المجتمع إلى ما يمرّ على أفراد العائلة التي تعيش هذا الوضع. تشدّ الأبصار إلى الأخطاء التي قد يرتكبها الأهل والى المغالطات التي قد يقعون فيها. وبقصد منها أو من دون قصد، تفتح الكاتبة أفقًا وسبيلًا للتعامل مع هذه الحالة.

فيما يلي سأقدّم قراءة لهذه الرواية، بمقاربة سيميائيّة تُعنى بالمعنى المكثّف المنبثق عنها والمسرود في تفاصيلها المختلفة على امتدادها. والسيميائيّة مقاربة تُقحم الدور الإنسانيّ في انشغالها بالدلالات، تجمع بين النصّ، قارئه، كاتبته والسياق الأكبر (إبراهيم طه، البعد الرابع ص 12)، ليشكّلوا معًا حالة وعي معرفيّ جديد يعبّر عن الحالة الإنسانيّة.

يتعامل هذا التوجّه مع النصّ الأدبيّ على أنّه علامة سيميائيّة كبرى تنتظم داخله سائر العلامات وتتشابك، فتحمل دلالات تجعل النصّ كلًّا جشتالتيًّا واحدًا ذا معنًى أكبر من مجموع دلالات علاماته. ويَفترض كذلك أنّ المعطيات النصيّة في العمل الأدبيّ الجيّد تكون جميعها موظّفة كإشارات تسهم في خلق المعنى وإحكامه؛ فيُنظر إلى النصّ كبنية دلاليّة قابلة للتحليل، وإلى عناصره كعلامات منتجة للمعنى يتعيّن على القارئ، بعد فكّ الشيفرات النصّية وفهم مدلولاتها الأولى، الخروج من النصّ سعيًا وراء المعنى الإنسانيّ الكامن فيها.

العنوان في العمل الأدبيّ

يرى النقد أنّ العنوان من أهمّ العناصر المكوّنة للنصّ الأدبيّ لا سيّما عند اعتباره جزءًا من نظام دلاليّ سيميائيّ يحمل قيمًا أخلاقيّة واجتماعيّة وآيديولوجيّة. فقد أشار روجر ألِن إلى أنّ العمل الأدبيّ الجيّد هو ذلك المبنيّ بشكل متين، مقصود، غير عفويّ، منذ بدايته وحتّى نهايته. (روجر ألِن، “البداية والنهاية”، ص 99). وتصرّ ماريانا تورچوڤنيك على القول إنّ الكاتب يعمل على نهاية القصّة منذ البداية من خلال مفاتيح نصيّة توجب العودة إليها بعد الوصول إلى النهاية، أي بأثَر رجعيّ، وهذا ما تراه يُكسب النصّ وحدةً موضوعيّة (تورچوڤنيك، الخاتمة في الرواية، ص 24). أمّا إبراهيم طه فيقول مؤكّدًا إنّ النقاش حول الخاتمة هو نقاش حول العمل الأدبيّ بكليّته؛ بدايتِه ووسطِه ونهايتِه (إبراهيم طه، “الانفتاح والانغلاق”، ص 2).

انطلاقًا من هذه الرؤية، يمكن النظر إلى العنوان كبؤرة مركزيّة تشكّل جسد النصّ ومختزلةً تفاصيله الدلاليّة في إشارة أولى إلى المعنى. بؤرة تحمل رسائل مسكوكة مضمَّنة بعلامات دالّة مشبعة برؤية إيحائيّة. فالعنوان ليس عتبة النصّ فحسب، بل غالبًا ما يكون بدايته ونهايته. والكاتب لا يضعه عادةً إلّا بعد اكتمال الكتابة، ليغدو تكثيفًا لخاتمة النصّ. لذا، لا يمكن الاستغناء عن معالجته عند البحث عن الدلالة. هو جزء مفتاحيّ عند النظر في الدلالات والبحث عن المعنى، يُلزم المذهب السيميائيّ القارئَ اعتبارَه.

إذًا، يُتوقّع من القارئ منذ لحظة مواجهة العنوان، أن يُفعّل جهاز التوقّعات القائم على تراكم المعطيات النصّيّة، وأن يربط بين البداية والنهاية، في مسعًى لفكّ شيفرات النصّ والوصول إلى معنًى يحمله النصّ. عليه مقاربة العنوان كقراءة استباقيّة غير معزولة، تستكمل معناها بأثر رجعيّ مع تقدُّم القراءة. وعند بلوغ النهاية، تجب على القارئ العودة إلى المفاتيح النصيّة كلّها ليصبح النصّ وحدةً موضوعيّة متماسكة دلاليًّا.

دلالة العنوان في الرواية

يحمل عنوان الرواية “لتكن مشيئَتُكَ” حمولة دلاليّة مكثّفة. يفتتح الرواية كحزمة ضوئيّة تنضوي على موقف في الحياة. هو بادئَ ذي بدء تناصٌّ دينيّ ورد في الكتاب المقدّس، قائم على التسليم لمشيئة الله العليا. المخاطَب في هذه الجملة المقدّسة هو الله العليّ صاحب المشيئة النهائيّة. غير أنّ هذا التناصّ المؤلّف من إشارات دلاليّة حين يُوظَّف عنوانًا لمتخيّل أدبيّ، يغدو أداة تأويليّة تدعو إلى إعادة النظر في علاقة الإنسان بالمقدَّر. كما في فكرة الاستسلام السلبيّ لقضاء الله والبحث عن موقع الإنسان فيه وفي مساحة الاختيار. وبالتالي، يفهم القارئ هذا العنوان على أنّه خطاب تأمُّليّ جامع يحثّ على فحص حدود الإرادة الإنسانيّة في إطار المشيئة الإلهية.

تظلّ جملة العنوان، مع استئناف القراءة، عالقة في ذهن القارئ، مرافقة تطوّر الحدث فيه، فاتحةً أفقًا دلاليًّا لا ينحسم معناه إلّا في ضوء النهاية. وإذ يقفز القارئ قفزة استباقيّة إلى النهاية، يجد أنّ هذه الجملة نفسها ترد مرّة أخرى لتغلق الرواية فتكون آخرَ كلماتها كما كانت عنوانها، مشكّلة دائرة مغلقة تكسب العبارة الدينيّة المنادية بالاستسلام صيغةً جدليّةً تقع على الطيف بين قبول المقدّر واختيار السعي، ويصبح حملها على الوجه التأويليّ ضروريًّا وملزمًا.

وهذا ما يتكشّف للقارئ تدريجيًّا، إذ يتبيّن خلال القراءة موضوع الرواية. يتّضح له لاحقًا ومع تطوّر الحدث، أنّ صاحبة المشكلة المركزيّة في الرواية تختار أن تعيش مع وضعها المنكشف تباعًا وأن تجد موقعها فيه، فتتّخذ قرارات جريئة حكيمة تحدّد من خلالها كيفيّة الحياة ضمن ما شاء الله وقدّر، فإذ لا خيار في تغيير مشيئة الله ولا جدوى من رفضها، تملي الحكمة أن تتبيّن الشخصيّة المركزيّة مساحة الفعل المتاحة داخل هذا الإطار، فتُمارس فيها مشيئة بشريّة موازية.

الشخصيّة المركزيّة وتعالقها بالشخصيّات الأخرى

ينطلق الموديل السيميائيّ من افتراض إمكانيّة ضبط معطيات النصّ الأدبيّ ضمن إطار نظريّ منظّم يُمكنِ اعتبارُ الشخصيّة المركزيّة (پروتاچنست) مدخلًا أساسيًّا إلى الدلالة المنشودة. تقارَب هذه الشخصيّة الورقيّة ككيان شبه إنسانيّ، تتشكّل تصرّفاته وسماته من الواقع الإنسانيّ، ولا تنفصل، لا هي ولا خالقُها، عن هذا الواقع. فالمؤلّفُ إنسانٌ يكتب أدبًا ملتزمًا ويستمّد مادتَّه من واقع تجربته ومعايشتها. إلّا أنّ هذه الشخصيّة، كإشارة دلاليّة، غير حرّة التصرّف، بل تخضع لقوانين نصيّة محكومة برسالة واعية ضمنيّة في ذهن المؤلّف، وعلى المتلقّي أن يقوم بعمليّة توفيقيّة يُزاوج فيها بين المستوى الدلاليّ ومستوى المعنى المحتمل محاولًا الاقتراب من قصد الكاتب.

قد يعجبك ايضا