د . صباح ايليا القس
حرص الانسان القديم على حماية نفسه من المتغيرات المناخية اولا وصد الاعداء من الحيوانات المفترسة او من السارقين وغيرهم ، ولا يكون هذا إلا عند الاستقرار الحضاري والبحث عن وسائل العيش الثابتة مثل البيوت و الزراعة وتربية الحيوان .
وبعيدا عن الكهوف والمغارات التي اعتاد اللجوء اليها فقد سعى الانسان الى البناء الخاص والمستقل فنشأ الاعمار الطيني ولاحقا كانت البيوت والقاعات والحصون والقصور وغيرها مما شجع على ظهور العمارة الهندسية لا سيما القصور الفاخرة التي صارت مستقرا للملوك والامراء وغيرهم من الاثرياء ..
ومما تشير اليه المصادر قصر غمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر مارد وقصر شعوب والابلق وغير ذلك كثير مما يمكن متابعته في مصادر التراث ..
وغمدان من اشهر قصور اليمن الذي يقع بالقرب من صنعاء ، وهو قصر ضخم بارتفاع سبع طبقات فضلا عن المحاريب والزخارف .. كذلك كانت هناك العديد من الغرف لاهل الدار فضلا عن الضيوف .
يقول الشاعر :
مصابيح السليط يَلُحْنَ فيه اذا يمسي كتوما من االبروق
يقصد كثرة القناديل التي تلمع في السماء كما تفعل البروق في الايام الماطرة ، هذا فضلا عن الستائر التي تم تركيب اجراس فيها فاذا هبت الرياح الطيبة صدرت الاصوات الجميلة لتزيد هذا المكان إبهارا وجمالا .
واذا غادرنا اليمن الى الحيرة فسنجد قصر الخورنق ولهذا القصر قصة تقول : إن النعمان بن المنذر ملك الحيرة امر ببناء قصر له قريبا من البادية بعيدا عن ضوضاء الناس .
فكلف رجلاً اسمه سنمار لبناء ذلك القصر واشترط عليه ان يكون القصر ليس له مثيل ويقال انه ظل عشرين سنة يبني حتى اذا اكتمل رماه الملك من اعلى البيت فمات والسبب لكي لا يبني مثيلا له كما جاء في احدى الروايات وهناك من يقول : ان سنمار قال قد وضعت حجرا لو رفعته لانهدم هذا البناء كله وكان هذا سبب موته .. وصار هذا بالفعل مضرب المثل فيقال ( جزاء سنمار ) لكل حادث مثل ما تقدم ..
وهناك قصر السدير في الحيرة أيضا الذي يضاهي قصر الخورنق في الاهمية التاريخية وهناك قصور اخرى .
ولقد شربــــــــــت المدامـــة بالكبير وبالصغيــــــر
فاذا سكـــــــــــرت فاني ربُّ الخورنق والسدير
واذا صحوت فاني ربُّ الشويهة والبعيـــــر
أُحبها وتحبني وتحب ناقتهــــــــــــــــــــــــــــــا بعيري
وقد تأثر الغساسنة في الشام بعدوى البناء فكانت لهم قصورهم حتى ان الرواية تقول ان مسجد دمشق قبل المسيحية كان هيكلا عظيما فيه التماثيل والاصنام وعندما دخلت المسيحية صار كنيسة وجاء الاسلام فجعلوه مسجدا في عهد الوليد بن عبد الملك .